
بغداد/ شعراق أوبزيرفر
يدق مختصون في الشأن البيئي ناقوس الخطر بعد تسجيل انتشار واسع لسمك السلور الأفريقي في الأنهار والبحيرات العراقية، محذرين من أن هذا النوع الغازي قد يتحول إلى أحد أكبر التهديدات التي تواجه الثروة السمكية والتنوع الإحيائي في البلاد، لما يمتلكه من قدرة عالية على التكاثر والافتراس والتكيف مع مختلف الظروف البيئية.
وأظهرت خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة تداولها صيادون وناشطون بيئيون وجود أعداد كبيرة من سمك السلور في عدد من المسطحات المائية، بينها هور الدلمج، وبحيرة حمرين، ومناطق في سامراء والأنبار وجنوب العراق، الأمر الذي أثار مخاوف من اتساع رقعة انتشاره بصورة قد تؤثر في الأنواع المحلية.
وبحسب مختصين، فإن سمك السلور ليس نوعاً مستحدثاً في العراق، إذ جرى تسجيل وجوده لأول مرة علمياً عام 2020، إلا أن أعداده كانت محدودة، قبل أن تبدأ بالازدياد تدريجياً خلال السنوات الأخيرة وصولاً إلى ظهوره بكثافات كبيرة في عدد من البيئات المائية.
بدوره، قال الأكاديمي والخبير البيئي عمر الشيخلي إن “سمك السلور الأفريقي لم يُدخل بصورة متعمدة إلى العراق، وإنما يرجح أنه انتشر بشكل طبيعي عبر حوضي دجلة والفرات من مناطق انتشاره في سوريا وجنوب تركيا، بعد أن توسعت رقعته الجغرافية خلال السنوات الماضية”.
وأضاف الشيخلي لـ”عراق أوبزيرفر” أن “هذا النوع مصنف عالمياً ضمن الأنواع الغازية، ويمتلك صفات بيولوجية استثنائية تجعله قادراً على البقاء والتكاثر بسرعة، إذ يستطيع تحمل انخفاض الأوكسجين، والتنفس من الهواء مباشرة، والخروج من الماء والتحرك لمسافات على اليابسة، فضلاً عن قابليته على التهام طيف واسع من الكائنات الحية”.
وأشار الشيخلي إلى أن “السلور من الأسماك الانتهازية المفترسة، وقد وثقنا ميدانياً وجود عدة أسماك داخل معدة سمكة واحدة صغيرة، ما يعكس حجم الضغط الذي يمكن أن يشكله على الأنواع العراقية الأصيلة إذا استمر انتشاره بهذه الوتيرة”.
ولفت إلى أن “تقييم مستوى خطورة انتشاره يتراوح بين ثمانية وتسعة من أصل عشرة، وهو ما يستوجب تدخلاً عاجلاً للحد من أضراره قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة بيئية واقتصادية يصعب احتواؤها”.
ويؤكد مختصون أن خطورة هذا النوع لا تكمن فقط في انتشاره، بل في كونه مفترساً شرهاً يهاجم بيوض ويرقات الأسماك المحلية، إضافة إلى افتراسه الضفادع والطيور والكائنات المائية الأخرى، ما يهدد بإحداث خلل في التوازن البيئي داخل الأنهار والأهوار العراقية.
ويرى خبراء أن استمرار انخفاض مناسيب المياه وارتفاع درجات الحرارة والتغيرات البيئية قد يوفر ظروفاً ملائمة لهذا النوع للاستقرار والتوسع، خصوصاً في البحيرات والخزانات الكبيرة التي توفر بيئة مناسبة لتكاثره.
وفي الجانب الاقتصادي، يحذر المختصون من أن انتشار السلور قد ينعكس بصورة مباشرة على معيشة آلاف الصيادين، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، إذ إن هذا النوع غير مرغوب للاستهلاك في العديد من المناطق، ما قد يؤدي إلى انخفاض العائدات المالية لقطاع الصيد، في حال تراجع أعداد الأسماك المحلية مقابل زيادة أعداد الأسماك الغازية.
ودعا نشطاء عبر مواقع التواصل إلى إطلاق برنامج وطني تشارك فيه وزارات البيئة والزراعة والموارد المائية والجامعات والمراكز البحثية، لرصد أماكن الانتشار ووضع خطط علمية للسيطرة على أعداد هذا النوع، إلى جانب تعزيز برامج التوعية المجتمعية وإجراء دراسات ميدانية مستمرة لحماية التنوع الإحيائي والثروة السمكية في العراق.
ويؤكد مختصون أن التعامل المبكر مع الأنواع الغازية يعد أقل كلفة وأكثر فاعلية من انتظار توسعها، في وقت يواجه فيه العراق تحديات متزايدة تتعلق بشح المياه والتغيرات المناخية وتراجع التنوع البيئي، ما يجعل ملف سمك السلور واحداً من القضايا التي تستدعي استجابة علمية ومؤسساتية عاجلة.




