
عواصم /عراق اوبزيرفر
يُعدّ شرب الماء أثناء تناول الطعام من العادات التي تثير الكثير من الجدل، خصوصًا بين من يحاولون الحفاظ على وزنهم أو خسارة بعض الكيلوغرامات. فبينما يرى البعض أن تناول الماء مع الوجبة قد يسبّب زيادة الوزن أو يخفف من كفاءة الهضم، يعتقد آخرون أنه يساعد على الشعور بالشبع ويجعل تناول الطعام أكثر سهولة. ومع انتشار الكثير من المعلومات والنصائح المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين المعلومة الصحيحة والمعتقدات الشائعة. فهل شرب الماء أثناء الأكل يؤدي فعلًا إلى زيادة الوزن؟ وهل يؤثر في عملية الهضم أو في طريقة تعامل الجسم مع الطعام؟ أم أن توقيت شرب الماء لا علاقة له بزيادة الدهون في الجسم؟ في هذا الموضوع، توضح اختصاصية التغذية ومدرّبة الحياة ديانا عميش الحقيقة وراء هذه العادة، وتستعرض ما يحدث في الجسم عند شرب الماء أثناء الوجبات، وما إذا كان من الأفضل تناوله قبل الطعام أو خلاله أو بعده.
من أكثر النصائح التي نسمعها “لا تشربي الماء أثناء الأكل لأنه يزيد الوزن”، أو “الماء يوسّع المعدة”، أو حتى “يخفف عصارة المعدة ويؤثر في الهضم”. لكن هل هناك أساس علمي لهذه المعتقدات؟
الإجابة ببساطة: لا، شرب الماء أثناء تناول الطعام لا يسبب زيادة الوزن.
الماء لا يحتوي على سعرات حرارية، وبالتالي لا يمكن أن يؤدي بحد ذاته إلى زيادة الدهون في الجسم. زيادة الدهون تحدث عندما يحصل الجسم، على مدى الوقت، على طاقة أكثر مما يستهلكها. أما كوب الماء الذي نشربه مع الغداء أو العشاء فلا يتحول إلى دهون ولا يجعل الوجبة أكثر تسمينًا. لكن لماذا يشعر البعض أن وزنهم يرتفع بعد شرب الماء؟
هنا يجب أن نفرّق بين وزن الجسم والدهون. إذا شربتِ نصف لتر من الماء ثم صعدتِ مباشرة على الميزان، فمن الطبيعي أن يظهر رقم أعلى مؤقتًا. فأنتِ ببساطة أضفتِ وزن السائل إلى جسمك، لكن هذا لا يعني أنك اكتسبتِ دهونًا. يتعامل الجسم لاحقًا مع السوائل الزائدة ويطرحها بحسب حاجته.
وهذا ينطبق أيضًا على التغيرات اليومية الطبيعية في الوزن الناتجة عن السوائل، الملح، الهرمونات، محتوى الجهاز الهضمي وغيرها.
قد تشعرين بأن بطنك أصبح أكبر مباشرة بعد تناول وجبة وشرب كمية من الماء، ولكن هذا أيضًا لا يعني زيادة الدهون.
المعدة أصبحت تحتوي ببساطة على الطعام والسوائل، ولذلك قد نشعر بالامتلاء أو الانتفاخ لفترة قصيرة. وهنا من المهم ألا نحكم على أجسامنا أو وزننا من شكل البطن مباشرة بعد الوجبة. الانتفاخ والامتلاء شيء، وزيادة الدهون شيء مختلف تمامًا.
وماذا عن الهضم؟ هل الماء يخفّف أحماض المعدة؟ هذه أيضًا من الأفكار المنتشرة بكثرة. يعتقد البعض أن شرب الماء أثناء الطعام “يخفّف” حمض المعدة لدرجة تمنع الجسم من هضم الطعام بشكل جيد. لكن لدى الجهاز الهضمي آليات معقدة لتنظيم إفرازاته بحسب محتوى الوجبة، ولا توجد توصية عامة للأشخاص الأصحاء بضرورة منع الماء أثناء تناول الطعام خوفًا من تعطيل الهضم. بل إن السوائل جزء طبيعي من عملية الهضم، كما أن الحصول على كمية كافية من السوائل مهم لوظائف الجسم والجهاز الهضمي. لذلك، إذا كنتِ تشعرين بالعطش أثناء الطعام، اشربي الماء.
بالنسبة لبعض الأشخاص، نعم. الماء قد يساهم في الشعور بالامتلاء، وهناك دراسات بحثت في تناول الماء قبل الوجبات وعلاقته بالشبع واستهلاك الطاقة. لكن هذا لا يعني أننا بحاجة إلى شرب كميات ضخمة من الماء حتى “نملأ المعدة” ونمنع أنفسنا من تناول الطعام. وهذه نقطة مهمة جدًا بالنسبة لي كأخصائية تغذية: لا نريد استخدام الماء كطريقة لقمع الجوع.
إذا كان جسمكِ جائعًا، فهو يحتاج إلى الطعام. الهدف هو تعلّم الاستماع إلى إشارات الجوع والشبع، وليس محاولة خداع الجسم بكميات كبيرة من السوائل.
رغم أن الماء لا يزيد الوزن، إلا أن الكمية وطريقة الشرب قد تفرق في الراحة الهضمية. إذا شربتِ كمية كبيرة جدًا بسرعة أثناء تناول الطعام، فقد تشعرين بامتلاء أو انزعاج، خصوصًا إذا كنتِ أصلًا تعانين من الانتفاخ أو عسر الهضم.
وفي بعض الحالات مثل الارتجاع المعدي المريئي، قد يجد بعض الأشخاص أن تناول كميات كبيرة من الطعام والسوائل في جلسة واحدة يزيد شعورهم بالامتلاء أو الأعراض. هنا نعدل الكمية والتوقيت بحسب الشخص، وليس لأن الماء “يسبّب زيادة الوزن”
هنا يوجد فرق مهم. عندما نقول إن شرب الماء أثناء الطعام لا يزيد الوزن، فنحن نتحدث عن الماء. العصائر والعصائر الغازية المحلاة وعصائر الطاقة وبعض أنواع القهوة والعصائر الأخرى قد تحتوي على كميات ملحوظة من السكر والسعرات الحرارية. لذلك المشكلة ليست في فكرة “الشرب مع الطعام” بحدّ ذاتها، وإنما في ماذا نشرب وكمية ما نشربه. إذا كان الاختيار بين كوب ماء ومشروب محلى مع الوجبة، فالماء عادةً هو الخيار الأبسط.
لا. درجة حرارة الماء لا تجعله يتحوّل إلى دهون. وكذلك لا توجد حاجة إلى إجبار نفسكِ على شرب الماء الدافئ من أجل خسارة الوزن. اختاري درجة الحرارة التي تساعدكِ على شرب الماء براحة والاستمرار في الترطيب. نصائحي كاختصاصية تغذية بدل التركيز على قاعدة “الماء أثناء الطعام”، أحب أن أركز على علاقتنا بالترطيب خلال اليوم ككل. اشربي عندما تشعرين بالعطش: لا يوجد سبب لمنع نفسك من الماء لأنكِ تتناولين وجبة.
تجنّبي شرب كمية ضخمة دفعة واحدة: إذا كان ذلك يسبّب لكِ الامتلاء أو الانتفاخ، خذي رشفات صغيرة خلال الوجبة ووزّعي السوائل على مدار اليوم. لا تستخدمي الماء بدل الطعام: كوبان أو ثلاثة قبل الوجبة بهدف منع نفسكِ من الأكل ليسا استراتيجية جيدة لبناء علاقة صحية ومستدامة مع الطعام.
راقبي جسمكِ: إذا كنتِ تعانين من ارتجاع أو انتفاخ أو شعور سريع جدًا بالامتلاء، قد يناسبكِ شرب كمية أقل مع الوجبة وتناول الجزء الأكبر من السوائل بين الوجبات. وانتبهي إلى نوع العصير : الماء شيء، والعصائر الغنية بالسكر والسعرات شيء آخر.
شرب الماء أثناء تناول الطعام لا يزيد الوزن ولا يؤدي إلى تراكم الدهون. إذا رأيتِ ارتفاعًا بسيطًا في الميزان بعد الشرب، فهذا يعكس وزن السوائل الموجودة مؤقتًا في الجسم، وليس زيادة في الدهون. ولا توجد حاجة إلى الانتظار نصف ساعة أو ساعة بعد الطعام حتى “يُسمح” لك بشرب الماء.
إذا كنت عطشانة أثناء الوجبة، اشربي. وفي النهاية، عندما نتحدث عن إدارة الوزن، من الأفضل أن ننظر إلى الصورة الكبيرة: نوعية الغذاء، الكميات، الحركة، النوم، التوتر والعادات اليومية بدل الخوف من كوب ماء بجانب طبق الطعام.
الماء لا يحتاج إلى قواعد معقدة… جسمكِ يحتاج فقط إلى أن يبقى مرطبًا.



