هل يحتاج الجهاز العصبي إلى إعادة ضبط؟ عادات بسيطة تساعد على تخفيف التوتر

عواصم / متابعة عراق أوبزرفر
مع تزايد ضغوط الحياة اليومية، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مصطلح “إعادة ضبط الجهاز العصبي”، بوصفه وسيلة للتخفيف من التوتر واستعادة الهدوء، وسط نصائح تتنوع بين التنفس العميق والتعرض للماء البارد والتدليك.
لكن خبراء يؤكدون أن الجهاز العصبي لا يحتاج إلى إعادة ضبط بالمعنى المتداول عبر الإنترنت، بل يحتاج الجسم إلى التكيف مع الضغوط واستعادة الهدوء بعد زوالها، محذرين من المبالغة في فوائد بعض الممارسات والوعود المرتبطة بها.
وفي تقرير نشرته صحيفة “الغارديان”البريطانية، أوضحت الكاتبة هانا كوتس أن استجابة الجسم للتوتر عملية طبيعية، وأن التعامل معها يتطلب عادات تساعد على الاسترخاء والتعافي، بدلاً من البحث عن حلول سريعة أو وسائل توصف بأنها قادرة على إعادة ضبط الجهاز العصبي.
كيف يستجيب الجسم للتوتر؟
يتولى الجهاز العصبي تنظيم استجابات الجسم للمواقف المختلفة، بما فيها التوتر، فيما يتحكم الجهاز العصبي اللاإرادي بوظائف مثل ضربات القلب وضغط الدم والهضم، من خلال فرعين رئيسيين؛ الجهاز العصبي الودي الذي يهيئ الجسم للتعامل مع التحديات، والجهاز العصبي نظير الودي الذي يسهم في الاسترخاء والتعافي.
وعند الشعور بالتوتر، قد تتسارع ضربات القلب، وتتشنج العضلات، ويتغير التنفس والهضم، ويزداد الانتباه، وهي استجابات طبيعية تساعد الجسم على مواجهة المواقف الصعبة.
لكن استمرار التوتر وتكرار الضغوط اليومية، بالتزامن مع قلة الراحة، قد يجعل استعادة الهدوء أكثر صعوبة.
وتوضح الدكتورة سيرينا لاي، استشارية الطب النفسي والمديرة الطبية المشاركة في عيادة لندن للطب النفسي، أن الجهاز العصبي يستقبل المعلومات ويعالجها وينسق استجابة الجسم لها.
عادات بسيطة تساعد على استعادة الهدوء
تتضمن الممارسات التي قد تساعد على تخفيف التوتر وتحسين القدرة على الاسترخاء ما يأتي:
1- التنفس البطيء
يساعد التنفس البطيء على تهدئة الجسم وتخفيف التوتر، وتشير بعض الأدلة إلى أن التنفس بمعدل ستة أنفاس في الدقيقة قد يحسن تباين معدل ضربات القلب، أي الاختلاف في الوقت بين النبضات المتتالية.
ويمكن تجربة الشهيق لمدة خمس ثوانٍ، ثم الزفير للمدة نفسها، وتكرار ذلك من خمس إلى عشر دقائق، من دون إجبار النفس، مع التوقف عند الشعور بالدوار أو الانزعاج.
2- الحركة المنتظمة
يساعد الوقوف والتحرك بانتظام أو المشي لفترة قصيرة على تخفيف تيبس العضلات والشعور بالجمود المصاحب للتوتر.
كما يرتبط النشاط البدني المنتظم، مثل المشي وركوب الدراجة والسباحة، بتحسن بعض مؤشرات تنظيم الجهاز العصبي، ولا يشترط أن تكون التمارين شاقة، إذ يُعد الانتظام واختيار نشاط يتناسب مع القدرة البدنية من العوامل المهمة.
3- تخصيص وقت للهدوء
قد يساعد التأمل والتركيز على اللحظة الحالية في تهدئة الذهن والتعامل مع الأفكار المتلاحقة، ويمكن البدء بالجلوس في مكان هادئ وملاحظة التنفس وإحساس الجسم، من دون محاولة التخلص من جميع الأفكار.
كذلك، فإن الابتعاد لبعض الوقت عن الهاتف والشاشات والأصوات المتواصلة قد يمنح الذهن فرصة للراحة، خصوصاً بعد ساعات طويلة من العمل أو استخدام الأجهزة الإلكترونية.
4- تنظيم النوم والوجبات
يساعد الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ والوجبات على دعم وظائف الجسم، كما أن تقليل استخدام الهاتف قبل النوم وتخصيص فترات للراحة خلال اليوم قد يسهمان في الاسترخاء.
ولا يتطلب الأمر اتباع روتين مثالي، إذ قد تكون التغييرات البسيطة التي يمكن الاستمرار عليها أكثر فائدة من محاولة تطبيق نصائح كثيرة دفعة واحدة.
5- قضاء الوقت في الطبيعة
تشير دراسات إلى أن المشي في الطبيعة، بما فيها الغابات، يرتبط بتغيرات في نشاط الجهاز العصبي قد تساعد على الاسترخاء.
ويمكن الاستفادة من ذلك بالمشي في حديقة أو الجلوس في مكان مفتوح والابتعاد عن الهاتف لبعض الوقت، من دون الحاجة إلى السفر أو ممارسة أنشطة خاصة.
الماء البارد وتحفيز العصب الحائر
من الاتجاهات الشائعة على مواقع التواصل الاجتماعي استخدام الماء البارد أو أجهزة تحفيز العصب الحائر بهدف تخفيف التوتر.
لكن التعرض المفاجئ للماء البارد قد ينشط في البداية استجابة الجسم للضغط، قبل حدوث تغيرات لاحقة قد يشعر بعض الأشخاص بعدها بالهدوء. ولا تكفي الأدلة المتاحة للجزم بأن الغمر بالماء البارد يحقق فوائد مهمة ومستدامة في تنظيم الجهاز العصبي.
أما أجهزة تحفيز العصب الحائر، فينبغي التمييز بين استخدامات طبية معتمدة لبعض الأجهزة في حالات محددة، وبين المنتجات التسويقية التي تعد بتقليل التوتر من دون أدلة سريرية مستقلة كافية.
وبناءً على ذلك، لا يحتاج معظم الأشخاص إلى شراء أجهزة باهظة الثمن أو اللجوء إلى وسائل غير مألوفة لمجرد الشعور بأن جهازهم العصبي يحتاج إلى «إعادة ضبط».
الهدف هو التوازن وليس الهدوء الدائم
يشير التقرير إلى أن التوتر والاستثارة جزء طبيعي من الحياة، وقد يحتاج إليهما الإنسان أحياناً للتركيز والعمل والاستجابة للمواقف الصعبة، لذلك لا يتمثل الهدف في إبقاء الجسم في حالة هدوء مستمر، بل في قدرته على الانتقال بين النشاط والراحة والتعافي بعد الضغوط.
وقد تبدأ الخطوات العملية بالتنفس البطيء لبضع دقائق، والمشي بانتظام، وتنظيم مواعيد النوم، وتقليل التحفيز الرقمي، وتخصيص وقت للراحة والتواصل مع الأشخاص المقربين.
وبدلاً من البحث عن طريقة سحرية لإعادة ضبط الجهاز العصبي، تبرز أهمية منح الجسم ما يحتاج إليه من حركة وراحة ونوم وفرص كافية للتعافي.



