آراء

افلات من العقاب مقابل استرداد عوائد الفساد

رحيـم العكيـلي يكتب لـ عراق اوبزيرفر

افلات من العقاب مقابل استرداد عوائد الفساد

لا شك بان استرداد عوائد الفساد مسألة بالغة الاهمية في ميدان مكافحة الفساد ، لانها تعيد حقوق الخزينة العامة ، وتحرم الفاسدين من التمتع بعائدات الفساد ، وتردع غيرهم من الاقتداء بهم ، وتحول دون تسلق اللصوص الكبار وتحولهم الى قادة سياسيين بتوظيف واستغلال اموال الدولة التي نهبوها.

لكن الامر الذي يعادل استرداد عوائد الفساد في الاهمية او يعلو عليه فيها هو ملاحقة اولئك اللصوص والنيل منهم والقائهم في السجون ، وفقا لما تنص عليه القوانين ، لان تحقيق الردع العام الذي يحول دون تكرار افعال مماثلة ويمنع نهب الاموال العامة هو فعالية وقوة انفاذ القوانين ضد اللصوص وسرعة وفاعلية القائهم في السجون ، اما افلات السراق من العقاب – ولو مقابل استرداد عوائد الفساد منهم – فانه سيشجع اخرين على ارتكاب افعال مماثلة ، ما داموا يظنون انهم امنين من ان يلحقهم العقاب كلما زاد حجم سرقاتهم.

ان سياسة افلات الفاسدين والمختلسين من العقاب او تخفيف الاجراءات القانونية ضدهم مقابل اعادة عوائد الفساد او قسم منها فانها اجراءات ونهج سيشجع كبار الفاسدين على مزيد من السرقات ، بل سيحثهم على ان تكون سرقاتهم كبيرة ، لانه كلما كانت سرقاتهم اكبر كلما زادت فرص افلاتهم من العقاب ، اذا ما ساوموا الدولة على اعادة بعضها .

ان التفريط باجراءات انزال العقاب بالسراق مقابل استرداد عوائد الفساد منهم سيفاقم الفساد ويشجع الى مزيد من السرقات الكبيرة ، بخلاف التفريط باستعادة عوائد الفساد مقابل الفاعلية والقوة في ملاحقة الفاسدين وزجهم في السجون، فانه يحقق لوحده ردع عام ضد الفساد ، ولو ضاعت اموال الفساد ، بينما استعادة اموال الفساد دون زج الفاسدين بالسجون سيفاقم معضلة الفساد ويعقدها ويعطي رسالة عن ضعف الدولة وانعدام سيادة القانون فيها.

والصحيح فان انزال العقاب بالفاسدين واسترداد عوائد الفساد منهم هما امرين متلازمين – على نفس القدر من الاهمية – يجب العمل عليهما كليهما بفاعلية واخلاص دون تفريط باحدهما ، فلا يقبل ان يترك احدهما بحجة فسح المجال لتحقيق الاخر ، فان كان لابد من التضحية باحدهما – وهو امر غير مقبول قانونا- فيجب ان يضحى باستعادة اموال الفساد لانه خسارة مادية مقابل ايقاف ممارسات الفساد وقطع دابرها.

ان القانون العراقي واتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد تقدم ملاحقة الفاسدين وانزال العقاب بهم على استرداد عوائد الفساد ، رغم انها تؤكد على اهمية استرداد عوائد الفساد ، لكنها لا تسمح مطلقا بافلات الجناة من العقاب وتخفيف الاجراءات ضدهم بدعوى ان يتفضلوا على الدولة برد ما سرقوه ، وليس لاحد ان يجتهد بتقديم احد الامرين على الاخر او بالتضحية باحد الامرين مقابل الحصول على الاخر مادام القانون لا ينص على ذلك .

ان اضطرار الدولة للخضوع الى ارادة اللصوص او مجاملتهم وتخفيف الاجراءات ضدهم على وعد باعادة بعض ما سرقوه منها يعطي رسائل خاطئة عن ضعف الدولة وعجزها بحيث انها غير قادرة على استعادة ما سرق منها من سراق معروفين وموظفين لديها ، وهذا ينهي بالكامل ثقة الناس بها ويجعلها محل تندر وسخرية ، مما يهدم سيادة القانون وينهي فرص احترامه والعمل به .

لاشك انني هنا اتحدث بمناسبة الجدل المثار حول ما عرف بسرقة القرن واطلاق سراح المتهمين فيها نور زهير وهيثم الجبوري ورفع الحجز عن بعض اموالهما ، ولكني اتحدث في المبدأ العام فقط دون ان يكون كلامي متعلق بتلك الحالة بالذات ، لاني لست مطلعا على خلفيات واسباب ما اتخذ من اجراءات ضدهما ، فلعل فيها ما يبرره.

الا ان الفساد السياسي في العراق سيطر على كل مفاصل الدولة واخضعها لارادته ومصالحه وامزجته واضحى المتحكم الاول في القانون والعدالة والمال والسياسة والتعليم والتجارة والاستثمار والاقتصاد والدولار … فلا صوت يعلو في العراق فوق صوت الفساد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });