آراء

الواقع والواقع

عبد الحميد الصائح يكتب لـ عراق اوبزيرفر

الواقع والواقع

لا اظن أنّ محافظ البصرة على هذا القدْرِ من عدمِ الصواب الذي يصوّره منتقدوه، ليرتكبَ فعلاً منافياً للواقع السياسي والتزاماتِ الدولةِ العراقية والنصوص والمواثيق الدولية، وقبل ذلك رغبة الشعب العراقي رؤية مايتمناه .
لكن يبدو أنّنا أسرى واقعَين، واقع أننّا دولة قوية أو كنا كذلك فاوقعَنا الوهمُ والحماقةُ السياسية في إثم ٍوحظٍ تاريخيٍ عاثر، جعل أولي الأمر يحرّكون دبابات البلاد وجيشَه يمنة ويسرة، تارةً يحاربون ايران فنخسر مع ضياع ثمان سنوات من عمر الدولة 600 مليار دولار و اكثر من مليون ضحية بين شهيد وجريح، ومئات آلاف النازحين والمهاجرين ، تراجع مريع في الاقتصاد و التنمية والبناء الذي انشغلت به دول المنطقة ودولُ العالم النامية فيما انشغلنا بدفن شهدائنا وثغاء الأغاني الوطنية التي تطيّبُ الخواطرَ وترضي غرورَ القادة الحمقى.وتارة تدخلُ دبابات التضامن العربي لتحتلَ الكويت فندفع ثمنا لم تدفعه دولة أو شعب منذ ظهور ادم حتى اليوم، قرارات دولية تقيّد العراق وتثلم أرضه، وحصار جائر وتكالب دولي وحرب لئيمة قاسية حقيرة حطّمت العراقَ من أجل العثور على حفرة يجدونَ فيها مرتكبَ الأفعالِ تلك .
يقابل هذا كلَه واقعٌ آخر ، هو شعورُنا جميعاً بأنّ الدولة ظُلِمَت وحُطّمَتْ وأهينتْ واُخرجت من معادلةِ التطور والقوة بذريعة وجود صدام ليتم تفليشها على رأسه.
فالقرارت التي اتخذها العالم لتلك الأسباب لاسيما ملف التعويضات وترسيم الحدود مجحفة وغير منطقية وتدقّ أسافينَ بعيدة المدى بين دولتين جارتين متداخلتي المصالح متشابهتي المجتمع . ومثلما انهى الحصارُ مستقبل جيلين عراقيين حُرموا من الحياة الطبيعية بكل مناحيها ، رفع ترسيم الحدود مستوى التحسس الوطني الى اقصاه . واقعان لايمكنُ أنْ يلتقيا ، أحدهما مرغمون على الاعتراف به تحت وطاة القوة الدولية الغاشمة واستحقاقات الهزيمة التي لاناقة للعراقيين فيها ولاجمل، والتهديد بضياع أجيال جديدة بسبب عقوبات أو اجراءات غامضة اخرى .
اذا لايمكن النظر الى الوضع في العراق على انه وضع طبيعي طالما تخيم على مستقبلنا خيمة صفوان؛ خيمة العار التي جرّنا صدام كالأغنام اليها، وأدخل أوتادها في بطون قادة الجيش الذين اذلّهم بقرار الحرب الغبي، وبقيت تواقيعُهم على ثمن بقائه في السلطة تفعل فعلها الى أمد بعيد ، فلا الكويتيون بهذه القوة كي يستولوا على أراض عراقية بالعفرتة، ولا العيداني بالصلاحية المطلقة وسوء الفهم الذي يوقّع معها شخصيا على اجراءٍ مريبٍ بافراغِ أراضٍ من ساكنيها ليسلّمهم اياهاه. انه واقع استحقاقات الهزائم الذي طالما دفع دولا وامبراطوريات كبرى الى معالجته من سنوات طويلة أقربُها الينا معاهدة لوزان التي وقعت على انقاض الامبراطورية العثمانية بعد انهيارها، وكيفَ وقّعَ الاتراكُ المنقلبون ضدها مع الدول المنتصرةِ في الحربِ العالمية الأولى على بنود مجحفة اقتصادية وتجارية وقيود تتعلق بالسيادة والنفط والمضائق البحرية وبنود أخرى مذلة مضت على فاعليتها أكثر من مئة عام حيث اقرت منصفَ 1923 ، لينصرف بعدها شباب تركيا الثائرون الى تاسيس دولة جديدة مع تجرع دفع استحقاقات أوهام امبراطوريتهم المحتضرة . منصاعين الى (واقع) استحقاق الهزيمة ، معوّضين ذلك بواقع اقامة دولة قوية جديدة هي دولة اتاتورك – تركيا الحديثة .
هذا الأمر كان يجبُ أنْ يحدثَ في العراق ، أنْ نتجرّع مرارة تطبيق القرارات الدولية وشراسة الإجراءات التي اتخذت بسبب حروب صدام وتبعاتها . وأنْ ننصرفَ الى بناءِ دولة أخرى تحظى بالقوة والتنمية والاحترام . في هذه الحال وحدها يمكن للواقع الذي نتمناه أنْ يجتثّ الواقعَ الذي نحن فيه .لا أنْ نجعلَ من مهندسٍ شاب يبني مدينته باخلاص لم يتّسم به أسلافُه، مسؤولاً عن اخطبوط الخراب الذي تمتدّ أذرعُه لأكثر من حربٍ ولأبعدَ من أربعين عاماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى