
بغداد / عراق اوبزيرفر
في مشهد أعاد التذكير بحدة الصراعات الداخلية في إقليم كوردستان، شهدت مدينة السليمانية تطورات أمنية خطيرة خلال الساعات الماضية بعد اعتقال رئيس حزب “جبهة الشعب” لاهور شيخ جنكي وشقيقه بولاد، إثر عملية اقتحام نفذتها قوات مشتركة من مكافحة الإرهاب والكوماندوز وآسايش الاتحاد الوطني الكوردستاني داخل فندق لاله زار. العملية تحولت إلى معركة مسلحة عنيفة استمرت لساعات طويلة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الطرفين، بينما بقيت الحكومة الاتحادية في بغداد تلتزم صمتًا لافتًا أثار تساؤلات عميقة حول حدود سلطتها الفعلية على الإقليم.
على وقع هذه الأحداث المتسارعة، بقيت الحكومة الاتحادية في بغداد خارج المشهد، دون أن تصدر أي موقف رسمي أو بيان تعليق على خطورة ما يحدث في السليمانية. هذا الصمت أثار تساؤلات كبيرة في الأوساط السياسية والشعبية على حد سواء، خصوصاً أن الاشتباكات ترافقت مع سقوط قتلى وجرحى واستخدام أسلحة ثقيلة في مدينة عراقية كبرى.
تعليق برلماني
في هذا الصدد، قال عضو مجلس النواب، ثائر الجبوري، إن إقليم كوردستان يعيش فعليًا خارج سيطرة الحكومة الاتحادية بشكل واضح.
وذكر الجبوري، لـ “عراق اوبزيرفر”، أن “تعامل بغداد مع الاضطرابات التي شهدتها السليمانية جاء بالمثل، أي على غرار الطريقة التي يتعامل بها الإقليم مع ما يحدث من اضطرابات في باقي محافظات البلاد”.
وأضاف، أن “القيادات في إقليم كوردستان يرون أنفسهم خارج إطار الدولة العراقية، والحكومة الاتحادية تدرك أن أي تدخل مباشر في أزماتهم الداخلية لن يجدي نفعًا ولن يضر، ما لم يسعَ الإقليم إلى حل مشاكله بنفسه”، مشددا بالقول على ان “الاقليم خارج سيطرة الحكومة الاتحادية”.
تفاصيل العملية الأمنية
تعود شرارة الأحداث إلى مساء الخميس، عندما تحركت قوة أمنية مشتركة لتنفيذ مذكرة توقيف صادرة من محكمة تحقيق الأمن في السليمانية بحق لاهور شيخ جنكي بموجب المادة 56 من قانون العقوبات العراقي، على خلفية اتهامات تتعلق بالأمن والنظام العام. القوة طوقت الفندق الذي كان يتحصن فيه شيخ جنكي، ووجهت نداءً إلى السكان القريبين لمغادرة المنطقة تحسبًا لأي طارئ.
لكن سرعان ما اندلع تبادل كثيف لإطلاق النار بين القوات المهاجمة وحمايات شيخ جنكي، الذين قُدّر عددهم بالعشرات، وتخلل المواجهات أصوات انفجارات قوية هزت المنطقة. وأعلنت مصادر طبية في المدينة عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة ستة آخرين بجروح، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع.
رسائل التحدي من شيخ جنكي
في خضم الحصار، بثّ لاهور شيخ جنكي عدة رسائل مكتوبة وصوتية أكد فيها أن التهم الموجهة ضده “ذرائع سياسية” تهدف إلى تصفيته سياسياً داخل الإقليم. وأوضح أن منزله أيضاً كان محاصراً بقوات كبيرة، معلنًا رفضه المطلق لتسليم نفسه. هذه التصريحات زادت من تأجيج الشارع في السليمانية، لا سيما أن الرجل لا يزال يحظى بقاعدة جماهيرية معتبرة داخل الحزب الذي أسسه بعد انشقاقه عن الاتحاد الوطني الكوردستاني.
امتداد التوترات إلى مواقع حساسة
التوتر لم يتوقف عند محيط الفندق أو منزل شيخ جنكي، بل امتد ليشمل منطقة دباشان حيث منزل بافل طالباني، الرئيس الحالي للاتحاد الوطني الكوردستاني، إذ شهدت المنطقة هجومين بطيران مسيّر وإطلاق نار كثيف. هذه التطورات عكست أن الأزمة لم تعد محصورة في تنفيذ مذكرة قضائية، بل أخذت طابعًا سياسيًا وأمنيًا أشد تعقيدًا بين أجنحة الاتحاد الوطني المتصارعة على السلطة والنفوذ.
خلفية الصراع الداخلي
يُذكر أن لاهور شيخ جنكي كان قد شغل منصب الرئيس المشترك للاتحاد الوطني الكوردستاني إلى جانب بافل طالباني، قبل أن يُعزل في تموز/يوليو 2021 بقرار مفاجئ إثر خلافات عميقة داخل الحزب، ليتجه بعدها إلى تأسيس حزب جديد باسم “بەرەی گەل” شارك لأول مرة في انتخابات برلمان كوردستان عام 2024 وحصل على مقعدين. منذ ذلك الحين، بقيت العلاقة متوترة بينه وبين قيادة الاتحاد الوطني، وسط اتهامات متبادلة ومحاولات إقصاء متكررة.
بين السيادة والدستور
هذا الموقف – أو بالأحرى الغياب عنه – يسلط الضوء على المعضلة الدستورية والسياسية المزمنة بين بغداد وأربيل. فبينما يطالب الإقليم بمساحة واسعة من الاستقلالية في إدارة شؤونه الداخلية، تتحمل الحكومة الاتحادية من الناحية الدستورية مسؤولية الأمن والسيادة في عموم البلاد. غير أن حالة السليمانية الأخيرة كشفت هشاشة هذه المعادلة، حيث بدت بغداد وكأنها متفرج على صراع داخلي يتطور إلى مواجهة عسكرية وسط صمت رسمي مطبق.
في المحصلة، كشفت أحداث السليمانية الأخيرة عن هشاشة الوضع الأمني والسياسي في الإقليم، وعن محدودية سلطة بغداد في التدخل أو فرض سيادتها هناك.











