
بغداد/ عراق أوبزيرفر
أعادت حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل مؤسسات الدولة، بعدما انتقل الاهتمام من ملاحقة المتهمين واسترداد الأموال إلى مراجعة أداء الجهات الرقابية نفسها، وفي مقدمتها ديوان الرقابة المالية، وسط مطالبات نيابية بتشديد الرقابة وتحويل التقارير السنوية إلى إجراءات عملية تفضي إلى محاسبة المتورطين واسترداد المال العام.
وجاءت مناقشة مجلس النواب للتقرير السنوي لديوان الرقابة المالية لعام 2025 في توقيت يتزامن مع اتساع حملة مكافحة الفساد، إذ كشف التقرير عن وجود عشرات التريليونات من الدنانير على شكل سلف غير مسددة، ومستحقات متراكمة لخزينة الدولة، فضلاً عن مخالفات مالية وإدارية في عدد من الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة، الأمر الذي فتح نقاشاً واسعاً بشأن دور الديوان وآليات متابعته لهذه الملفات.
ورغم أن ديوان الرقابة المالية مؤسسة دستورية مستقلة ترتبط بمجلس النواب، فإن مراقبين يرون أن الزخم الذي خلقته حملة الحكومة الأخيرة ضد الفساد دفع السلطة التشريعية إلى إعادة فتح ملفات رقابية ظلت لسنوات حبيسة التقارير السنوية، مع تصاعد المطالب بتحويل الملاحظات الرقابية إلى إجراءات تنفيذية وقضائية أكثر حزماً.
وخلال جلسة مجلس النواب الخاصة بمناقشة التقرير، شدد رئيس المجلس على ضرورة تصحيح مسار الديوان، مؤكداً أن التقرير لا يرتقي إلى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه، فيما طالب بتقديم بيانات تفصيلية عن الأموال المهدورة والمخالفات في كل وزارة ومؤسسة حكومية، إلى جانب تحديد الإجراءات التي اتخذها الديوان بشأنها، في حين دعا نواب إلى منح المؤسسة سقفاً زمنياً واضحاً لمتابعة المخالفات وإحالة الملفات إلى الجهات المختصة.
وفي المقابل، أكد رئيس ديوان الرقابة المالية أن المؤسسة أعدت مئات التقارير الرقابية وأحالت العديد من الملفات إلى الجهات القضائية وهيئة النزاهة، موضحاً أن الديوان يمارس دوره وفق الصلاحيات القانونية الممنوحة له، وأن تنفيذ الإجراءات اللاحقة يقع ضمن مسؤوليات الجهات التنفيذية والقضائية المختصة.
بدوره، قال النائب عادل الركابي لـ”عراق أوبزيرفر” إن “ديوان الرقابة المالية لم يعد يؤدي الدور المطلوب في مكافحة الفساد، وأصبحت تقاريره أقرب إلى التقارير الإنشائية، رغم أن حجم الهدر في المال العام ما يزال كبيراً داخل مؤسسات الدولة”.
وأضاف الركابي أن “مصادقة الديوان على بعض الحسابات الختامية تثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً عندما يعترف المتهم بأماكن الأموال المهدورة أو المسروقة، ثم تصدر تقارير لا تعكس حجم المخالفات الحقيقية”، داعياً مجلس النواب إلى إعادة تقييم أداء الديوان وممارسة دوره الرقابي بصورة أكثر فاعلية.
ويرى مختصون أن حملة الحكومة الحالية لم تعد تقتصر على تنفيذ أوامر القبض وملاحقة المتهمين، بل دفعت أيضاً إلى إعادة تقييم منظومة الرقابة المالية والإدارية بأكملها، بعد أن أصبحت تقارير المؤسسات الرقابية محل نقاش مباشر داخل البرلمان، في خطوة يعدها مراقبون مؤشراً على انتقال ملف مكافحة الفساد إلى مرحلة أكثر عمقاً، تشمل مراجعة أداء الأجهزة المكلفة بحماية المال العام إلى جانب ملاحقة المتورطين بقضايا الهدر والفساد.
ويؤكد متابعون أن استمرار التنسيق بين الحكومة والسلطات الرقابية والقضائية والبرلمان سيكون عاملاً أساسياً في تحويل ما يرد في التقارير السنوية إلى ملفات تنفيذية وقضائية قابلة للمعالجة، بما يسهم في استرداد الأموال العامة وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة، ولا سيما مع استمرار حملة مكافحة الفساد التي وضعتها الحكومة ضمن أولوياتها خلال المرحلة الحالية.




