
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تلقى المسار الدستوري في العراق ضربة جديدة، مع تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، رغم اقتراب البلاد من نهاية المهلة الدستورية المحددة، في وقت كان يفترض فيه أن يشهد البرلمان حسم الاستحقاق السيادي، وسط تصاعد الخلافات السياسية، ولا سيما داخل البيت الكردي، وتضارب القراءات بشأن الالتزام بالتوقيتات الدستورية.
وفي خطوة أثارت تساؤلات واسعة، لم تُعقد الجلسة البرلمانية المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، على الرغم من أن المدة الدستورية باتت في مراحلها الأخيرة، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف تكرار سيناريو تجاوز المواعيد، كما حدث في دورات سابقة.
وأعلنت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، في بيان مقتضب، تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، دون تحديد موعد جديد، فيما قالت نواب إن التأجيل جاء لأسباب تتعلق بعدم اكتمال التوافقات السياسية اللازمة لعقد الجلسة، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة بشأن مستقبل الاستحقاق، وإمكانية القفز على المدد الدستورية.
طلب كوردي بالتأجيل
وبحسب وثائق رسمية فإن الحزب الديمقراطي الكوردستاني تقدم بطلب تأجيل الجلسة، في ظل استمرار الخلافات داخل البيت الكوردي حول اسم المرشح، وعدم التوصل إلى توافق نهائي يتيح خوض جلسة انتخاب حاسمة، الأمر الذي دفع باتجاه ترحيل الجلسة تفادياً لفشلها أو انعقادها دون نتائج.
ويعود جوهر الأزمة إلى استمرار الانقسام بين الحزبين الكورديين الرئيسيين، إذ دفع الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمرشحه فؤاد حسين، في مقابل تمسك الاتحاد الوطني الكوردستاني بمرشحه نزار ئاميدي، دون أن تنجح الوساطات السياسية حتى الآن في توحيد الموقف أو الاتفاق على مرشح تسوية، ما جعل منصب رئاسة الجمهورية أسير الخلاف الكوردي – الكوردي، وانعكاساته على التوازنات داخل بغداد.
قفز معتاد على المواعيد
بدوره قال الباحث في الشأن السياسي علي ناصر إن “الالتزام بالمواعيد الدستورية لم يكن ثابتاً خلال الدورات الماضية، إذ شهدنا في أكثر من محطة قفزاً على هذه المدد، وصل في بعض الحالات إلى عدة أشهر”.
وأضاف ناصر لـ”عراق أوبزيرفر” أن “ما يميز المرحلة الحالية عن سابقاتها هو التشديد الواضح من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان على ضرورة الالتزام بالمواعيد الدستورية المهمة، رغم أن الدستور العراقي لم يضع نصاً صريحاً يحدد الجزاءات في حال تجاوز هذه المدد”.
وأوضح ناصر أن “الانقسامات داخل البيت الكوردي أثرت بشكل مباشر على اختيار اسم رئيس الجمهورية، في ظل عدم طرح مرشح موحد بين الحزبين الرئيسيين”، مشيراً إلى أن “هذه الانقسامات تزامنت مع طرح اسم نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، وهو ما أضاف تعقيداً جديداً للمشهد السياسي”.
وتابع أن “الاتفاقات كان يفترض أن تُحسم أولاً داخل البيت الكوردي، قبل الانتقال إلى مناقشتها مع الإطار التنسيقي بوصفه ممثل الكتلة الأكبر، إلا أن الاجتماعات الأخيرة، سواء بين الإطار التنسيقي والحزب الديمقراطي، أو مع الاتحاد الوطني، لم تسفر عن تحديد مدد واضحة أو الاتفاق على أسماء نهائية”.
وفي هذا السياق، يوضح مختصون في الشأن الدستوري أن المادة (72/أولاً/ب) من الدستور حددت مهلة انتخاب رئيس الجمهورية بثلاثين يوماً من تاريخ أول انعقاد لمجلس النواب الجديد، وبما أن المجلس عقد جلسته الأولى في التاسع والعشرين من كانون الأول 2025، فإن آخر يوم في المهلة الدستورية يكون في التاسع والعشرين من كانون الثاني 2026.
ويؤكد هؤلاء أن احتساب المدة يبدأ من تاريخ الانعقاد، وليس من تاريخ التصويت، وأن أي تفسير يخالف ذلك يؤدي إلى تمديد غير مبرر لمهلة نص عليها الدستور بشكل صريح، مع الإشارة إلى أن المدد الإجرائية الخاصة بالترشيح والاعتراض والحسم القضائي تُعد جزءاً من هذه المهلة وليست مضافة إليها.
سيناريوهات مفتوحة
ومع دخول البلاد الأيام الأخيرة من المهلة الدستورية، تزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار الخلافات السياسية إلى تأجيل جديد، قد يفتح الباب أمام قفز آخر على المواعيد، ليس فقط في انتخاب رئيس الجمهورية، بل أيضاً في ما يتعلق بتكليف رئيس مجلس الوزراء المقبل، في مشهد يؤشر ضعف التوافقات السياسية، وصعوبة إدارة الاستحقاقات الدستورية ضمن أطرها الزمنية المحددة.



