
بغداد / عراق أوبزيرفر
بينما يستعد مجلس النواب العراقي لعقد جلسته اليوم ، تبرز على جدول الأعمال نقطة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية، وهي التصويت على قانون تصديق اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار بين العراق والسعودية. هذه الاتفاقية، التي يُنظر إليها من زوايا متناقضة، باتت محط نقاش محتدم بين من يراها خطوة استراتيجية نحو التنمية وجذب رؤوس الأموال، ومن يتخوف من أن تتحول إلى أداة لتغلغل النفوذ السعودي داخل الاقتصاد العراقي.
ملامح الاتفاقية
بحسب تصريح الخبير الاقتصادي جليل اللامي، فإن الاتفاقية تهدف بالأساس إلى تعزيز التعاون الاستثماري وتوفير حماية قانونية للمستثمرين من كلا البلدين، مع التركيز على تسهيل تدفق الاستثمارات السعودية إلى العراق. وهي لا تقتصر على قطاع واحد، بل تمتد إلى مجالات حيوية مثل الطاقة، التكنولوجيا، البنية التحتية، الصناعة، وهي جميعها قطاعات بحاجة ماسة إلى التطوير في العراق بعد سنوات من التحديات الأمنية والاقتصادية.
الاتفاقية تسعى أيضاً إلى تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ما يفتح الباب أمام مشاريع ضخمة يمكن أن تساهم في خلق فرص عمل جديدة للشباب العراقي، إلى جانب دعم جهود الحكومة في تقليل العجز المالي عبر جذب رؤوس الأموال الأجنبية.
ولفت اللامي في حديث خاص لـ “عراق اوبزيرفر”، إلى أن الاتفاقية أثارت الجدل كون البعض يعتقد بأنها ستمنح السعودية مفاتيح الاقتصاد العراقي، مبينًا أن الرأي المعارض المتمثل ببعض الأطراف السياسية والاقتصادية في العراق يخشى من أن تكون الاتفاقية بوابة لدخول الهيمنة الاقتصادية السعودية على السوق العراقي، وأن تؤدي الاستثمارات السعودية إلى زيادة النفوذ السعودي في العراق على المدى الطويل.
وأشار إلى أن هذه المخاوف ترتبط بإمكانية أن تصبح الشركات السعودية المستفيد الرئيسي من السوق العراقي، مما يعزز من دورها في الاقتصاد العراقي ويفقد العراق جزءًا من سيادته الاقتصادية.
في المقابل، أكد اللامي أن الرأي المؤيد يرى في الاتفاقية فرصًا كبيرة للعراق للاستفادة من الاستثمارات السعودية، خاصة في مجالات البنية التحتية والصناعات التحويلية، معتبرين أن هذا التعاون يمثل استثمارًا في بناء شراكات استراتيجية مع السعودية، ومن المتوقع أن يسهم في تحسين الوضع الاقتصادي وتوفير فرص عمل جديدة للشباب العراقي.
وتابع أن من بين الفوائد المحتملة للعراق تعزيز النمو الاقتصادي عبر توفير فرص عمل جديدة ودعم القطاعات الحيوية مثل الطاقة والصناعة والبنية التحتية، إضافة إلى تقليل العجز المالي العراقي من خلال جذب رأس المال الأجنبي وتعزيز السيولة المالية.
كما أشار إلى أن السعودية تُعد من الدول المتقدمة في العديد من القطاعات التقنية والصناعية، وخاصة في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية، وهو ما قد يساعد على نقل التقنيات الحديثة إلى العراق وتعزيز قدراته في هذه المجالات.
تحذير
لكنه حذر في الوقت ذاته من التهديدات الاقتصادية، مبينًا أنه في حال لم تتم مراقبة تنفيذ الاتفاقية بدقة فقد تتحول السوق العراقية إلى سوق شبه مفتوحة للشركات السعودية فقط، بما يهدد تفوق الشركات الأجنبية على الشركات المحلية.
وأكد اللامي أن التحدي الأساسي يكمن في ضمان أن تحقق الاتفاقية فوائد حقيقية للعراق وليست مجرد امتيازات لجهات خارجية، لافتًا إلى أن هناك حاجة إلى قوانين حماية أكبر تضمن التوازن في العلاقة مع السعودية، ووضع ضوابط للتأكد من أن الاستثمارات السعودية تساهم في تنمية الاقتصاد العراقي بشكل مستدام.
وشدد على أن هذه الاتفاقية تمثل فرصة للعراق لتوسيع دائرة علاقاته الاقتصادية مع السعودية، لكنها في الوقت نفسه تتطلب توازنًا دقيقًا لضمان أن تكون العلاقة مفيدة للعراق على المدى الطويل، مشددًا على ضرورة أن يواصل البرلمان دراسة بنود الاتفاقية بدقة لضمان عدم وجود أي تجاوزات على السيادة الاقتصادية العراقية
بين الواقع والطموح
العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي حساس. فمن جهة، هو بحاجة ماسة إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء اقتصاده المنهك، ومن جهة أخرى يخشى أن تتحول هذه الاستثمارات إلى مصدر تبعية جديدة يكرّس اعتماد البلد على الخارج.
لذلك، فإن التصويت المرتقب على الاتفاقية لا يتعلق بمجرد تمرير قانون، بل يمثل اختباراً لرؤية العراق الاقتصادية المستقبلية: هل يسعى لفتح أبوابه على مصراعيها أمام رؤوس الأموال الخليجية دون ضوابط، أم أنه سيتخذ من الاتفاقية منصة لتعزيز اقتصاده الوطني ضمن إطار قانوني متوازن يضمن مصالحه؟
وبين تنوع الاراء، تبقى الكرة في ملعب البرلمان العراقي، الذي يواجه مسؤولية كبرى في دراسة بنود الاتفاقية بدقة، والتأكد من وضع ضوابط تشريعية واضحة، تضمن أن تكون هذه الخطوة رافعة للتنمية الاقتصادية الوطنية، وليست قيداً جديداً على استقلالية العراق الاقتصادية.




