
بغداد / عراق أوبزيرفر
تسير في شوارع العاصمة كل يوم مركبات ضخمة محمّلة بالبنزين والغاز، تلمع جدرانها المعدنية كأنها دروع حرب، لكنها في الحقيقة تحمل بين جنباتها ناراً مؤجلة، قادرة على تحويل أي شارع مزدحم إلى جحيم مشتعل. صهاريج النفط أصبحت جزءاً من المشهد اليومي لبغداد، إلا أن وجودها بات يثير الرعب أكثر من الطمأنينة، بعدما تحولت إلى “قنابل تسير على عجلات”.
يبدأ المشهد منذ الصباح الباكر: مئات الصهاريج تدخل الطرق السريعة ثم تتجه نحو الأحياء السكنية والمناطق الصناعية، وسط زحام خانق، وأبواق السيارات المتداخلة. وبين كل لحظة وأخرى، يمر أحدها على مقربة من سيارات المدنيين، فيما لا يحتاج اشتعالها سوى شرارة صغيرة أو تصادم بسيط. تلك الصورة المتكررة، كما يصفها سكان بغداد، باتت “فصلاً يومياً من الرعب”، يتكرر دون أن تتحرك الجهات المعنية لتغييره.
رعب متحرك في قلب العاصمة
لا يحتاج المواطن محمد حسين إلى تذكير بخطورة الصهاريج، فكما يقول، “نحن نعيش الخطر لا نقرأ عنه”.
ويضيف في حديثه لـ”عراق أوبزيرفر”: “كل صباح نخرج إلى أعمالنا ونحن نرى الصهاريج تمر وسط الزحام وكأنها لا تحمل وقوداً قابلًا للاشتعال. المفروض منعها من السير في النهار، لأن أي حادث بسيط يمكن أن يحول المدينة إلى محرقة”.
محمد، شأنه شأن كثيرين، يرى أن المشهد مألوف بقدر ما هو مرعب، فذاكرة العاصمة ما تزال تحتفظ بحوادث أليمة راح ضحيتها عشرات الأبرياء، عندما انقلبت إحدى الناقلات أو اصطدمت بسيارة مدنية، لتتحول الشوارع إلى أنهار من النار. بعض تلك الحوادث التُقطت بكاميرات المارة وانتشرت على مواقع التواصل، لتعيد إلى الأذهان هشاشة إجراءات السلامة وغياب التخطيط المروري الفعّال.
ويقول السائق جميل سالم، الذي يعمل على خط بغداد–الحلة، لـ “عراق اوبزيرفر”، إن مجرد الاقتراب من الصهاريج يثير خوفه: “الكل يبتعد عنها قدر الإمكان. رأيت أكثر من حادث انتهى باحتراق سيارات بالكامل لأن إحدى الناقلات فقدت توازنها. هذه ليست مجرد شاحنات، بل قنابل جاهزة للانفجار”.
تحذيرات على الورق فقط
المديرية العامة للمرور، وهي الجهة المسؤولة عن تنظيم حركة هذه المركبات، اكتفت بتوجيه “تعليمات إجرائية”، وصفت بأنها أقرب إلى النصح منها إلى القرار. ففي بيان رسمي صدر قبل أسابيع، دعا مدير المرور العام الفريق عدي سمير حليم سائقي الصهاريج إلى الالتزام بإجراءات السلامة، منها وضع علامات “خطر” على جوانب الناقلة، وكتابة عبارة “ابتعد مسافة 150 متراً”، إضافة إلى وضع مثلثات فسفورية عند التوقف.
لكن هذه التوصيات، بحسب مختصين في شؤون السلامة الصناعية، لا تُمثل حلاً وقائياً حقيقياً، والمطلوب هو تشديد الضوابط والإجراءات لتفادي الكوارث.



