
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تتصاعد المؤشرات على أن ما يجري داخل “الإطار التنسيقي” لم يعد مجرد تباينات سياسية عابرة، بل تحول إلى صراع عميق متعدد المستويات، تتداخل فيه الحسابات الجيلية مع التحولات الإقليمية والدولية، في لحظة مفصلية قد تعيد رسم شكل السلطة داخل البيت السياسي الشيعي في العراق.
المحلل السياسي مجاشع التميمي يقول لـ“عراق اوبزيرفر” إن المشهد يتجاوز الخلافات التقليدية، مؤكداً أننا أمام “صراع أجيال مكتمل المعالم”.
بحسب توصيف التميمي، يتمسك الجيل الأول – الذي يمثله نوري المالكي وهادي العامري وهمام حمودي – بإرث ما بعد 2003 ومنطق إدارة المرحلة وفق قواعدها التي تشكلت بعد تغيير النظام.
ويضيف: “في المقابل، يتحرك جيل ثانٍ يضم عمار الحكيم وقيس الخزعلي ومحمد شياع السوداني باتجاه إعادة تعريف التموضع السياسي وأدوات النفوذ، ضمن رؤية أقل ارتباطاً بسردية التأسيس الأولى وأكثر حساسية للتحولات الداخلية والخارجية”.
ويصف التميمي هذا التحول بأنه “إزاحة جيلية تتشكل بهدوء، لكنها عميقة الأثر”.
أزمة تتجاوز التنافس على المناصب
مقال تحليلي نشرته صحيفة الشرق الأوسط ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن ترشيح أطراف داخل الإطار لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي كشف عن أزمة مركبة داخل البيت السياسي الشيعي، لا يمكن اختزالها بصراع على السلطة أو الثروة، بل تعبر عن حساسية انتقال جيلية ستنعكس على طبيعة الحكم واتجاهه.
وبحسب القراءة ذاتها، يمثل المالكي الخيار الأكثر قبولاً لدى “الجيل المؤسس” لنظام ما بعد 2003، لا سيما لدى ما يُعرف بـ“اليمين الشيعي التقليدي” المرتبط بالأحزاب العقائدية ذات الجذور التنظيمية العميقة. في المقابل، يدفع الجيل الجديد بشعار “الإزاحة الجيلية”، أي استبدال القيادات المؤسسة دون المساس بجوهر النظام السياسي نفسه.
هذا الطرح لا يستهدف تغيير البنية العامة للنظام، بقدر ما يسعى إلى إعادة توزيع مراكز القرار داخلها. إلا أن خطورته تكمن في أنه يمس توازنات حساسة داخل ما يوصف بـ“البيت السياسي الشيعي العقائدي والمسلح”، ما يرفع احتمالية احتدام النزاع حول طبيعة السلطة ومصدر شرعيتها.
متغيرات إقليمية تضغط على الداخل
الكاتب أحمد سعداوي يضع الأزمة في إطار أوسع، معتبراً أن ما يحدث داخل الإطار هو انعكاس مباشر لمتغيرات إقليمية ودولية لم تعد تسمح باستمرار قواعد اللعبة السابقة. فالقوى التي تمتعت بسيطرة مريحة خلال السنوات الماضية تواجه اليوم بيئة مختلفة، تتطلب خطاباً وأدوات جديدة.
ويرى سعداوي أن المشكلة لم تعد مع “الآخر” داخل الوطن، بل بين أجنحة البيت الواحد. فهناك جناح يميل إلى التشدد والإبقاء على المواضعات التي حكمت الساحة العراقية منذ 2003، وجناح آخر يدعو إلى التكيف مع التحولات الإقليمية، وتجنب انخراط العراق في مواجهات قد تعيده سنوات إلى الوراء.
غير أن المعضلة، وفق هذا الطرح، تكمن في أن القوى التقليدية غير قادرة على إنتاج خط جديد من داخلها يتصدر المشهد، ولا راغبة في السماح بولادة قوى بديلة قد تنافسها على وراثة المرحلة.
بالمحصلة، هذا التداخل بين “القديم” و“الجديد” يجعل الأزمة أكبر من مجرد تنافس داخل تحالف سياسي، بل اختباراً لوحدة البيت الشيعي نفسه. إذ إن أي انقسام حاد قد ينعكس على استقرار الحكومة، وعلى شكل التحالفات داخل البرلمان، بل وربما على طبيعة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.




