العراقخاصرئيسية

الخسفة.. الهاوية المفتوحة على الرعب تكشف حجم كوارث “داعش” في نينوى

نينوى / عراق أوبزيرفر
تحت سماء نينوى الثقيلة بذكريات الدم والدخان، وعلى تخوم الموصل التي عاشت أقسى فصول العذاب، تتكشف اليوم واحدة من أبشع جرائم الإبادة التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق أبناء المحافظة. إنها “الخسفة”، الحفرة العميقة التي تحولت خلال سنوات الاحتلال الأسود (2014-2017) إلى مقبرة جماعية لم تُكتب عليها أسماء، بل نقشت في ذاكرة أهالي نينوى بدموع الأمهات وأنين الزوجات وصمت الأطفال الذين كبروا بلا آباء.
على مدى سنوات، ظلّت الخسفة جرحاً غائراً، تثير الرعب والحزن معاً، وظلّت الأرض تخفي أسرارها الثقيلة، حتى بدأت السلطات اليوم أولى خطوات فتحها، في محاولة متأخرة لكشف الحقيقة وردّ الاعتبار لضحايا المقبرة التي صارت رمزاً لأوجاع نينوى وأحد أفظع شواهد جرائم داعش في العراق.
*بداية فتح المقبرة
أعلن محافظ نينوى، عبد القادر الدخيل، عن انطلاق المرحلة الأولى من فتح مقبرة الخسفة جنوب الموصل، وذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس محكمة استئناف نينوى، القاضي رائد حميد المصلح.
وقال الدخيل: “مقبرة الخسفة جريمة يندى لها العقل والضمير، وهي جرح نينوى الغائر الذي لا يندمل، حيث تفنّن الإرهاب في إعدام أبناء المحافظة من مختلف القوميات والأديان”، مؤكداً أن التقديرات الرسمية تشير إلى أن نحو 20 ألف مواطن قتلوا ودفنوا في هذه الحفرة، بينهم أكثر من 2000 شخص أُعدموا في يوم واحد فقط، من بينهم 600 مدني من منطقة وادي حجر.
وأضاف أن السلطات المحلية بدأت خطوات عملية لفتح المقبرة قبل أشهر، بدعم مباشر من رئاسة محكمة الاستئناف، وبالتعاون مع دائرة الطب العدلي ومؤسسة الشهداء ودائرة المقابر الجماعية، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تركز على استخراج الرفات وتوثيق الجرائم ضمن إطار قانوني وإنساني.
كما كشف المحافظ عن خطط لإنشاء نصبٍ تذكاري في موقع المقبرة أو في مكان آخر داخل الموصل، تخليداً للشهداء الذين قضوا في هذه المجزرة المروّعة.
*تقديرات متضاربة
ورغم التقديرات الرسمية التي تتحدث عن 20 ألف ضحية، إلا أن رئيس اللجنة الأمنية في نينوى، محمد الكاكائي، يرى أن هذا الرقم مبالغ فيه، موضحاً في تصريح خاص لـ عراق أوبزيرفر: “الأعداد المتداولة مبالغ فيها، وأعتقد أن العدد الحقيقي يقارب 5 آلاف شهيد مغدور في هذه المقبرة، معظمهم من الضباط والمنتسبين وعائلاتهم الذين أعدمهم تنظيم داعش خلال فترة سيطرته على الموصل”.
ويؤكد الكاكائي أن “الخسفة تمثل خزين جراحات لأهالي نينوى، مشيراً إلى أنها ليست مجرد حفرة، بل رمز لكل الفظائع التي ارتكبها التنظيم الإرهابي بحق العراقيين”.
وأضاف أن الخسفة عبارة عن حفرة جيولوجية عميقة جداً، وهناك حديث عن أن عمقها يمتد بمسار يتصل مباشرة بنهر دجلة، ما يجعلها موقعاً يصعب حصر ضحاياه أو تحديد عددهم بدقة.
*مأساة ممتدة
لم تكن الخسفة مجرد مكان للتخلص من الجثث، بل تحولت إلى أداة ترهيب جماعي استخدمها تنظيم داعش لإرهاب سكان الموصل. فقد كان الأهالي يسمعون يومياً أصوات الرصاص، ثم يشاهدون مواكب من المسلحين وهم يقتادون الضحايا المقيّدين والمغمضّة أعينهم إلى وجهة مجهولة، قبل أن يتأكد لاحقاً أنهم انتهوا في قاع الخسفة.
وتشير شهادات ناجين وأهالي ضحايا إلى أن التنظيم لم يكتفِ بإعدام العسكريين والمنتسبين، بل شمل المدنيين أيضاً، خصوصاً من عارضوا أفكاره أو حاولوا مقاومته، فضلاً عن الأقليات الدينية من الإيزيديين والمسيحيين.


*أبعاد قانونية
يرى مراقبون أن فتح مقبرة الخسفة خطوة قانونية وإنسانية بالدرجة الأولى، لأنها تمثل توثيقاً دقيقاً للجرائم التي ارتكبها داعش، وتفتح المجال أمام ذوي الضحايا للمطالبة بحقوقهم.
ويقول محافظ نينوى إن الحكومة المحلية تعمل مع الجهات القضائية والفنية على إنجاز هذه المرحلة الحساسة، فيما دعا جامعة الموصل إلى استكمال متطلباتها العلمية والبيولوجية للتعرف على هوية الرفات عبر الفحوصات الجينية.
ويؤكد مسؤولون أن الهدف ليس فقط استخراج الجثامين، بل توثيق الجرائم أمام القضاء الدولي والمحلي، وتحويل الخسفة إلى شاهد مادي على فظاعة الإرهاب، بما يضمن عدم إفلات الجناة من المحاسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });