اقتصادتحليلاتخاص

الدينار يستعيد عافيته.. أربع ضربات موجعة للدولار الموازي تكشف نجاحات البرنامج الاقتصادي العراقي

بغداد / عراق أوبزيرفر

يشهد الدولار الأمريكي في العراق تراجعاً ملحوظاً ومتواصلاً أمام الدينار الوطني، بعد فترة ليست بالقليلة من التحليق بعيداً عن السعر الرسمي المعتمد في الدولة، وذلك لم يكن اعتباطياً بل جاء نتيجة سياسة اقتصادية متراكمة اتبعتها الحكومة العراقية كجزء من رؤية إصلاحية وضعتها ضمن برنامجها.

 

وفي ظل تصاعد الجدل حول استقرار السوق العراقية، وتباين المؤشرات المرتبطة بسعر صرف الدولار، جاء مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، بتصريحات مفصّلة كشفت عن أسباب التراجع المستمر في قيمة الدولار بالسوق الموازي، مقابل صعود لافت لقوة الدينار العراقي، مؤكداً في الوقت نفسه، أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لسلسلة من الإجراءات الحكومية المنسقة بين السياسة النقدية والمالية والتجارية، نفذتها الدولة خلال العامين الماضيين.

 

*4 اسباب رئيسية

وأرجع صالح، تراجع سعر صرف الدولار في السوق الموازي واقترابه من السعر الرسمي إلى أربعة أسباب رئيسة. وقال في حديث خص به “عراق اوبزيرفر”، إن “العامل الأول يتمثل في المنع القانوني الصارم لتداول الدولار في التعاملات الداخلية، لا سيما في السوق العقاري الذي يُعد من أكبر وأقوى الأسواق المالية داخل البلاد، وهو ما قلل من مساحة التعامل غير الرسمي بالعملة الأجنبية”.

وأضاف أن السبب الثاني يرتبط بـ”انتقال السياسة النقدية نحو التعزيز المباشر بالنقد الأجنبي عبر المصارف العالمية المراسلة للمصارف الوطنية لأغراض التحويل الخارجي، في مقابل إنهاء دور نافذة بيع العملة من البنك المركزي منذ بداية العام الحالي”، مشيراً إلى أن “هذه السياسة حدت من الاعتماد على السوق الموازي ومخاطر التمويل غير الآمن ذي الكلفة العالية”.

 

وهذه الخطوة، يصفها مراقبون، بأنها “لم تكن فقط خياراً فنياً بل استراتيجية متكاملة لربط المصارف العراقية بشبكة النظام المالي الدولي من دون الحاجة إلى قنوات محلية مشبوهة أو غير واضحة الامتثال. وبذلك، أُعيد رسم خارطة التحويلات الخارجية، لتتم بشكل قانوني ومنظم، ما قلل تدريجياً من نفوذ السوق الموازي وشركات العملة التي كانت تلعب دور الوسيط بين المستورد والمصدر، وتحدد الأسعار على مزاجها”.

 

*تحرير صغار المستوردين

أما السبب الثالث، بحسب المستشار الحكومي، فيتعلق بـ”دخول صغار المستوردين إلى شبكة التمويل الرسمية بالعملة الأجنبية دون الحاجة إلى وسطاء من شركات التحويل المالي، وهو ما مكّنهم من الاستيراد بسعر صرف ثابت ورسمي، وساهم في تقليص التكاليف وتعزيز الامتثال، خصوصاً أن هذه الشريحة تمثل نحو 60% من حجم التجارة الخارجية”، موكداً أن “هذا التسهيل جاء بفضل الإجراءات الحكومية التي خففت من البيروقراطية الإدارية”.

 

ومع هذا الانفتاح، أصبحت أسعار الصرف لهؤلاء التجار ثابتة وفق السعر الرسمي (1320 ديناراً للدولار)، وهو ما أفقد السوق الموازي شريحة واسعة من زبائنه الذين كانوا يشكلون وقوداً اساساً لارتفاع الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية.

 

*بطاقات الدفع.. سبب آخر

وأشار إلى أن العامل الرابع يتمثل في “اتساع ثقافة استخدام بطاقات الدفع الإلكتروني بالعملة الأجنبية لدى المسافرين خلال العامين الماضيين، بدلاً من الضغط على سوق الدولار النقدي، إلى جانب توفر الدولار النقدي للمسافرين عبر المطارات من خلال المصارف الوطنية، وفق ضوابط تنظيمية مرنة وعالية الامتثال”.

 

ففي السابق، كان المسافرون يفضلون حمل كميات كبيرة من الدولار نقداً، ما يخلق طلباً اضافياً على العملة الصعبة في السوق المحلية، خصوصاً في مواسم السفر أو السياحة أو الدراسة، وبالتالي فإن التحول للبطاقات المصرفية، أسهم في استقرار السوق وتقليل المضاربات.

 

وختم صالح حديثه بالتأكيد على أن “سياسة الدفاع السعري التي تبنتها الدولة، من خلال نشر التعاونيات للسلع الاستهلاكية وسلة البناء الممولة وفق سعر الصرف الرسمي البالغ 1320 ديناراً لكل دولار، تمثل ركناً تكاملياً من نجاح السياسة الاقتصادية في العراق، عبر تناغم الجهود النقدية والمالية والتجارية ضمن البرنامج الحكومي”.

 

ومع استمرار ضخ الدولار في القنوات الرسمية، وتوسيع أدوات الرقابة المالية، وتعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني، فإن الدينار العراقي يقترب اليوم بشكل تدريجي من السعر المحدد رسمياً من قبل البنك المركزي العراقي.

 

*جهود الحكومة.. الدور الحاسم

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي صفوان قصي إن ارتفاع الدينار مقابل الدولار يأتي على خلفية ارتفاع احتياطي البنك المركزي العراقي إلى أكثر من 97 مليار دولار، إضافة إلى احتياطي الذهب الذي تجاوز 132 طناً، الأمر الذي يعزز الثقة باقتصاد العراق ويوفر دعماً كبيراً لقيمة العملة المحلية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي في حديث تابعته “عراق اوبزيرفر”، على النظرة الإيجابية تجاه زيادة الإيرادات غير النفطية وجهود الحكومة المستمرة لإيقاف حرق الغاز وتطوير مشاريع الطاقة والتنمية، لافتاً إلى أن تعديل هيكل الإنفاق العام نحو الاستدامة يلعب دوراً حاسماً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي.

وحسب قصي، فإن الحفاظ على العلاقات الإيجابية وتنميتها مع الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج يمكن أن يعزز من قيمة الدينار العراقي بقدر كبير، خاصة بعد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يشجع على دعم الصادرات الأمريكية تجاه العراق.

وأكد قصي أن خروج سوريا ولبنان من دائرة المخاطر أسهم بشكل مباشر في دعم الاستقرار المالي في العراق، مما ينعكس إيجاباً على سعر صرف الدينار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });