
بغداد/ عراق أوبزيرفر
بدأ التنافس على منصب رئاسة الجمهورية العراقية يطفو إلى السطح مبكراً هذه المرة، قبل أيام من الانتخابات، في مشهد يعكس تصاعد الصراع السياسي حول المواقع السيادية وملامح المرحلة المقبلة لتقاسم السلطة في البلاد.
ورغم أن المنصب ظلّ منذ عام 2005 محسوماً لصالح القوى الكردية وفق العرف السياسي السائد، فإن تصريحات صدرت عن قيادات سنية، في مقدمتها رئيس حزب تقدّم محمد الحلبوسي، أعادت خلط الأوراق بإعلانها نية الترشح لأي منصب سيادي يقرره المكون السني، سواء كان رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس النواب.
وهذا التطور المبكر فتح الباب أمام تساؤلات حول احتمال تغيّر التوازنات التقليدية بين المكونات الثلاثة الكبرى، في ظلّ مساعٍ سياسية واضحة لإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة العليا، وتثبيت حضور المكونات وفق مبدأ “الاستحقاق السياسي” لا “العرف الطائفي” الذي حكم المشهد العراقي طيلة العقدين الماضيين.
الحلبوسي يتقدم للمنصب
وأعاد رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي الجدل إلى الواجهة بشأن توزيع المناصب السيادية في العراق، بعدما أعلن صراحةً أنه سيتقدّم لأي منصب سيادي يقرره المكون السني، سواء كان رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس النواب، في تصريح وُصف بأنه الأكثر وضوحاً منذ خروجه من رئاسة البرلمان.
وقال الحلبوسي خلال مؤتمر انتخابي في الأنبار، إن “القرار بشأن المنصب السني المقبل سيكون بيد المكون السني نفسه، وسأتقدّم للمنصب العربي السني أياً كان، سواء رئاسة الجمهورية أو البرلمان”، مؤكداً أن “الحق سيعود إلى أهله”.
وأثار هذا التصريح تفاعلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية، بوصفه خروجاً على العرف السياسي الذي استقرّ منذ عام 2005 على أن تؤول رئاسة الجمهورية إلى الكرد، ورئاسة مجلس النواب إلى السنة، ورئاسة الوزراء إلى الشيعة.
ويأتي حديث الحلبوسي في توقيت يشهد احتداماً في الخطاب الانتخابي وتكثيف الاتصالات بين الزعامات السياسية، ما يعكس رغبة واضحة في رسم حدود النفوذ والمكاسب قبل ظهور النتائج الرسمية للانتخابات المقبلة المقررة منتصف الشهر الحالي.
إعادة تموضع
ويشير مراقبون إلى أن الحلبوسي يسعى من خلال تصريحاته إلى إعادة التموضع السياسي واستعادة زمام المبادرة داخل المكون السني بعد سلسلة التحديات القانونية التي واجهها، أبرزها قرار المحكمة الاتحادية القاضي بإنهاء عضويته السابقة في البرلمان، وهو ما قد ينعكس على موقفه القانوني في حال فوزه مجدداً بعضوية المجلس.
وفي هذا السياق، أكد الباحث في الشأن السياسي ومدير مؤسسة دستورنامه للدراسات الديمقراطية والتنوع الاجتماعي كاظم ياور، أن “تصريحات زعماء الكتل حول المناصب العليا في الدولة تدخل ضمن (استراتيجية استباقية) تهدف إلى إرسال إشارات مبكرة بشأن شكل التحالفات المقبلة وتقاسم المواقع السيادية بعد الانتخابات”.
وقال ياور لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “حديث الحلبوسي عن أحقية المكون السني في اختيار رئاسة الجمهورية أو البرلمان يعكس في الوقت نفسه مخاوفه السياسية والقانونية”، موضحاً أن “رئاسة الجمهورية لا تخضع لمصادقة المحكمة الاتحادية، وهو ما يجعلها خياراً مطروحاً أمام الحلبوسي في حال بقاء الغموض القانوني بشأن عودته إلى البرلمان”.
وأضاف أن “الحديث باسم المكون السني في هذا التوقيت مبكر، لوجود قوى سياسية متعددة داخل المكون، أغلبها تميل إلى الإبقاء على العرف السائد، الذي يمنح رئاسة البرلمان للعرب السنة، مقابل احتفاظ الكرد برئاسة الجمهورية”.
وبحسب ياور، فإن “الأحزاب الكردية تلتزم الصمت حالياً تجاه الطرح الجديد، وتراقب المشهد بحذر، تجنباً لتأزيم العلاقة مع القوى السنية، بانتظار ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات وتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان المقبل”.
عرف سياسي
وتاريخياً، مثّل توزيع المناصب السيادية في العراق عرفاً سياسياً غير مكتوب نُسج عقب عام 2003 ضمن ما يعرف بـ”التوازن الطائفي”، حيث يختار الشيعة رئيس الوزراء، والسنة رئيس مجلس النواب، والكرد رئيس الجمهورية.
ولم تشهد التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين تغييراً جوهرياً في هذا التوزيع رغم تعدد الدعوات إلى “كسر المحاصصة” وتبني مبدأ الكفاءة بديلاً عن الانتماء المذهبي أو القومي.
لكن مراقبين يرون أن تصريحات الحلبوسي قد تفتح الباب أمام مراجعة هذا الترتيب التقليدي، في ظل رغبة بعض القوى السنية في الحصول على موقع أرفع داخل هرم السلطة، لا سيما مع تصاعد الخطاب الذي يدعو إلى “توازن جديد في إدارة الدولة” يضمن مشاركة فعلية للمكون السني في القرار التنفيذي، وليس فقط التشريعي.
ويرى محللون أن هذا التحول، وإن بدا طموحاً، إلا أنه يصطدم بواقع التحالفات المعقّد، إذ لا يمكن حسم المناصب العليا إلا عبر توافق المكونات الثلاثة الكبرى، وهو ما يجعل الطرح السني الحالي أقرب إلى رسالة سياسية تستهدف تحسين الموقع التفاوضي بعد الانتخابات، أكثر من كونه تغييراً فعلياً في قواعد اللعبة السياسية.



