
بغداد / عراق اوبزيرفر
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة مطلع القرن العشرين، ظل الدستور مرآة للتحولات السياسية العميقة التي شهدتها البلاد، فكل نظام جديد حمل معه مشروعا دستوريا يعكس رؤيته للحكم وشكل الدولة وعلاقة السلطة بالمجتمع. واليوم، وبعد مرور قرن تقريبا على أول دستور عرفه العراق، ما زال الجدل مستمرا حول جدوى الدستور الحالي وصعوبة تعديله، في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمشهد.
الباحث في الشأن القانوني علي التميمي، في حديثه لـ”عراق أوبزيرفر”، قدّم قراءة شاملة لمسيرة الدساتير العراقية من العهد العثماني حتى دستور 2005، كاشفا عن مراحل التطور وأسباب الجمود الراهن في النظام الدستوري.
وفي هذا الصدد، أكد التميمي، أن العراق شهد عبر تاريخه سلسلة طويلة من الدساتير والمشاريع الدستورية بلغت اثني عشر مشروعا، غير أن عشرة منها فقط تم اعتمادها رسميا ونشرها لتصبح نافذة.
وأوضح أن هذه الدساتير تمثل محطات مهمة في مسار التحول السياسي للعراق منذ أواخر العهد العثماني وحتى تأسيس النظام الجمهوري الحديث، مرورا بمراحل الانقلابات والتحولات السياسية المتتالية.
وبين التميمي أن أول دستور عرفه العراق هو القانون الأساسي العثماني لعام 1876، الذي تضمن 119 مادة وعدل أربع مرات، مشيرا إلى أن هذا القانون شكل الإطار الأول لتنظيم السلطات والعلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما قبل الدولة العراقية الحديثة.
وأضاف أن ثاني محطة دستورية بارزة كانت دستور عام 1925 الذي صدر في ظل النظام الملكي، وهو أول دستور عراقي وضع بعد تأسيس الدولة الحديثة، واستمر معمولا به حتى عام 1958 حين أُعلن قيام الجمهورية العراقية وسقوط النظام الملكي.
الدساتير التي جاءت بعد عام 1958 كانت انعكاسا مباشرا للانقلابات السياسية التي شهدتها البلاد، بدءا من دستور 1958 المؤقت، مرورا بدساتير 1963 و1964 و1968 و1970، وكلها حملت صفة المؤقتة لارتباطها بسلطات انتقالية أو أنظمة جاءت عبر تغيير سياسي مفاجئ.
وتابع التميمي، بالقول إن قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 الذي وُضع بعد عام 2003 شكل الأساس القانوني الذي مهّد لاعتماد دستور جمهورية العراق لسنة 2005، وهو الدستور النافذ حتى اليوم.
وأشار الباحث إلى أن دستور 2005 يتكون من 144 مادة، ولم يعدل منذ إقراره رغم مرور نحو عشرين عاما على تطبيقه، مبيناً أن الدستور الحالي يتضمن مادتين تنصان على آليات التعديل هما المادة 126 والمادة 142، إذ تتيح الأولى التعديل بطلب من رئيسي الجمهورية والوزراء أو من خمس أعضاء مجلس النواب، شريطة أن يقر بالأغلبية المطلقة ثم يعرض على الاستفتاء الشعبي، فيما نصت الثانية على تشكيل لجنة خاصة داخل مجلس النواب تتولى مراجعة التعديلات المقترحة.
وأكد التميمي أن المحكمة الاتحادية العليا حسمت في قرارها رقم (54 لسنة 2019) بأن عملية التعديل تبدأ من البرلمان حصراً.
ووصف “الدستور العراقي الحالي بأنه من الدساتير الجامدة، أي التي يصعب تعديلها بسبب التعقيدات والإجراءات الطويلة المطلوبة لإحداث أي تغيير فيه”.
وأشار التميمي إلى أن النصوص الدستورية الحالية تناولت مجموعة واسعة من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واستمدت الكثير من مبادئها من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي ختام حديثه، رأى التميمي أن دستور 2005 وُضع على عجل في مرحلة انتقالية حساسة، وهو ما جعله يواجه العديد من المشكلات في الصياغة والتطبيق، مشددا على أن البلاد اليوم بحاجة إلى مراجعة دستورية شاملة تراعي المتغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق خلال العقدين الماضيين، بما يضمن تحقيق التوازن بين السلطات وتفعيل المواد المعطلة وإصلاح الثغرات التي عطلت الكثير من النصوص عن التنفيذ الفعلي.



