
بغداد / عراق اوبزيرفر
في خطوة وُصفت بأنها تصعيد نوعي في سباق التسلح والمراقبة في الشرق الأوسط، أعلنت “إسرائيل” في مطلع أيلول الجاري عن إطلاق قمرها الصناعي التجسسي الجديد “أوفيك 19”. الإعلان جاء على لسان وزير الدفاع “الإسرائيلي” يسرائيل كاتس الذي اعتبر الأمر “إنجازًا على أعلى مستوى عالمي ورسالة إلى جميع الأعداء بأنهم تحت المراقبة الدائمة”. هذه الخطوة فتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات عميقة في العراق بشأن انعكاسات هذا التطور على الأمن الوطني، خصوصًا أن القمر لا يقتصر عمله على رصد إيران واليمن فحسب، بل يمتد نطاقه ليشمل العراق ودول الجوار.
المحلل السياسي المقرب من الإطار التنسيقي، عائد الهلالي، أكد في تصريح خاص لـ عراق أوبزيرفر أن امتلاك “إسرائيل” لتقنيات تصوير عالية الدقة عبر هذا النوع من الأقمار الاصطناعية يمثل تحديًا مباشرًا للأمن القومي العراقي.
الهلالي أشار إلى أن العراق بات في دائرة المراقبة غير المعلنة، وأن المعلومات الدقيقة عن تحركاته العسكرية والبنى التحتية الحيوية والمراكز الاقتصادية المهمة ستكون في متناول الطرفالإسرائيلي”، ما قد يؤدي إلى توظيفها سياسيًا أو عسكريًا متى ما اقتضت الحاجة.
ويضيف الهلالي أن الخطر لا يقتصر على الجانب العسكري وحده، بل يتعداه إلى إمكانية استهداف مشاريع استراتيجية أو تعطيل خطط التنمية، من خلال معرفة تفاصيل دقيقة عن مواقعها وآليات تشغيلها.
“إن العراق، رغم أنه لا يدخل في صراع مباشر مع إسرائيل، يبقى ضمن معادلة الاستهداف غير المعلن، وهذا يضعه أمام تحدٍ استراتيجي خطير”، يقول الهلالي.
سيادة منتهكة.. ودرع غائب
عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية علي نعمة شدد من جانبه على أن العراق لا يملك حتى الآن منظومات دفاع جوي حديثة ومتطورة قادرة على كشف أي اختراق للأجواء، سواء عبر الطائرات الحربية أو الصواريخ أو حتى عبر نشاطات الرصد الفضائي.
وأوضح أن “الحكومة العراقية تعمل على إبرام عقود لشراء منظومات دفاع جوي متقدمة تكون قادرة على حماية السيادة الوطنية بشكل فعلي، لكن الواقع يشير إلى أن الأجواء العراقية ما تزال تحت سيطرة التحالف الدولي، وهذا التحالف هو في حد ذاته جزء من المشكلة، وليس الحل”.
أوفيك 19.. ما الذي يميزه؟
بحسب ما نشرته وزارة الدفاع “الإسرائيلية”، فإن “أوفيك 19” أُطلق مساء الثالث من أيلول بواسطة صاروخ “شافيت” من وسط الاراضي المحتلة.
القمر مزود بتقنية رادارية متقدمة تسمح له بالرصد على مدار الساعة وفي مختلف الظروف الجوية، الأمر الذي يمنحه قدرة على جمع بيانات دقيقة عن تحركات عسكرية أو تغييرات في البنى التحتية، حتى في حال وجود غيوم أو عواصف. وقد بدأ القمر بالفعل في إرسال بيانات أولية، على أن يُنقل تشغيله لاحقًا إلى وحدة الاستخبارات البصرية والجغرافية المكانية في الجيش “الإسرائيلي”.
هيئة البث “الإسرائيلية” أوضحت أن نطاق عمل “أوفيك 19” يشمل مراقبة مناطق واسعة في الشرق الأوسط، بما فيها إيران واليمن، لكنه فعليًا يغطي معظم دول المنطقة، وهو ما يضع العراق ضمن مدى الرصد والمتابعة.
العراق في عين المراقبة
التحليل السياسي والأمني يذهب إلى أن العراق، بحدوده الطويلة مع سوريا وإيران، وبموقعه الاستراتيجي كحلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام، يُعد هدفًا طبيعيًا لأي نشاط مراقبة إقليمي. وجود القواعد العسكرية، ومراكز تدريب الحشد الشعبي، وخطوط الإمداد اللوجستي، فضلًا عن مشاريع اقتصادية كبرى في مجال الطاقة، يجعل العراق أرضًا خصبة للتجسس الفضائي.
الهلالي يرى أن “العراق لا يمكنه الاستمرار في التعامل مع ملف الأمن الفضائي بعقلية التسعينيات، اليوم السيادة لا تُقاس فقط بالقدرة على حماية الحدود البرية والجوية، بل أيضًا بالقدرة على حماية الفضاء والمجال السيبراني”. ويشدد على ضرورة بناء تحالفات إقليمية ودولية في مجال الفضاء لمواجهة التفوق “الإسرائيلي”، خاصة مع دول تمتلك خبرة كبيرة مثل روسيا أو الصين.
تحديات المستقبل
وفي الوقت الذي تتحرك فيه “إسرائيل” لتعزيز تفوقها التكنولوجي، يبقى العراق يعاني من فراغ دفاعي خطير، ومن اعتماد مفرط على التحالف الدولي الذي لا يوفّر بالضرورة حماية لسيادته. ما يعني أن أي مشروع عراقي للتنمية أو أي تحرك عسكري سيكون تحت العين الإلكترونية لـ”أوفيك 19” وغيره من الأقمار الاصطناعية.
الهلالي يختتم بالقول: “لقد دخلنا عصرًا جديدًا، حماية السيادة لم تعد مرتبطة بالجنود على الحدود فقط، بل بالقدرة على حماية البيانات والمعلومات من أن تقع في يد الخصم. العراق مطالب بالتحرك بوعي وحزم، وإلا فإن فضاءه سيبقى مكشوفًا، وسيادته منتهكة بلا رادع”.



