
بغداد/ عراق أوبزيرفر
يدخل الجدل حول “الكتلة الأكبر” منعطفاً جديداً، بعد أن أعاد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان فتح واحد من أكثر أبواب النظام السياسي حساسية منذ عام 2010، مستعيناً بمفردات قاسية حين وصف التفسير السابق بأنه “خطيئة” و”تفسير سياسي الأثر”، في إشارة مباشرة إلى القرار الذي سمح بتشكيل الكتلة الأكبر بعد الانتخابات عبر تحالفات لاحقة، بصرف النظر عن الفائز الأول في صناديق الاقتراع.
وفي مقال نشرته صحيفة الشرق الأوسط بعنوان “خطيئة التفسير الخاطئ للدستور”، عاد زيدان إلى “روح الدستور” قبل نصوصه، معتبراً أن تفسير المحكمة الاتحادية عام 2010 شابه عدد من المثالب الدستورية، لأنه خالف ظاهر النص الذي لم يشر إلى تحالفات تُنشأ بعد الانتخابات، ما يعني – وفق القراءة الحرفية – أن المقصود هو الكتلة الفائزة فعلياً في الاقتراع.
ويرى زيدان أن ذلك التفسير مسّ بإرادة الناخب، إذ فتح الباب لتحالفات لاحقة غيّرت النتيجة السياسية التي عبّر عنها المواطن في صناديق الاقتراع، وأدى إلى إضعاف مبدأ المشروعية الشعبية، فضلاً عن خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي بسبب مفاوضات طويلة ومعقدة امتدت أشهراً بعد انتخابات 2010 و2018 و2021 و2025، حتى تحوّل مصطلح “الكتلة الأكبر” إلى محور صراع دائم أكثر منه مسألة قانونية خالصة.
أفكار قديمة تعود إلى الواجهة
ولا يبدو أن موقف زيدان وليد اللحظة، إذ سبق أن دعا قبل أعوام إلى تعديل المادة 76 من الدستور، ومنح القائمة الانتخابية الفائزة حق تكليف مرشحها بتشكيل الحكومة، كما تناول المسألة في كتابه الصادر عام 2020 حول رقابة القضاء الدستوري
ويضع المقال الأخير ثلاثة مسارات لإنهاء أزمة “الكتلة الأكبر”، أولها تعديل دستوري يكتب صيغة واضحة لا تقبل الاجتهاد، وثانيها تعديل قانون الانتخابات لمعالجة الإشكال من دون المساس بالنص الدستوري، أما المسار الثالث – وهو الأكثر إثارة للجدل – فيتمثل بقيام المحكمة الاتحادية بإعادة تفسيرها السابق الصادر عام 2010 وإصدار تفسير جديد يمنح القائمة الفائزة حق تشكيل الحكومة، خاصة مع مرور 15 عاماً على الاجتهاد الأول وتغيّر تركيبة المحكمة ورئاستها
دلالات سياسية مباشرة
وسياسياً، يعني هذا الطرح – في حال تبنيه – أن القائمة الفائزة الأولى قبل الجلسة الأولى للبرلمان ستنال حق التكليف، ما يُسقط عملياً فكرة تسجيل الكتلة الأكبر عبر تحالفات لاحقة داخل قبة البرلمان، ويحد من تأثير ما يُعرف بـ”بيضات القبان” أو مرشحي التسوية
كما قد يؤدي التفسير الجديد إلى فصل نسبي بين مساري انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، إذ سيكون اسم المكلف محدداً بنتائج الانتخابات، ما يقلص دائرة التعطيل الناتجة عن ربط المنصبين بتفاهمات متبادلة بين القوى الكبرى.
ويرى مختصون أن هذا التوجه يقرب النظام العراقي من صيغة شبه رئاسية داخل الإطار البرلماني، حيث يعرف الناخب مسبقاً أن تصويته لقائمة معينة يعني – بصورة غير مباشرة – دعم مرشحها لرئاسة الوزراء، الأمر الذي قد يعزز الثقة بالعملية الانتخابية ويحد من الإحباط الشعبي المرتبط بصفقات ما بعد الاقتراع.
الإطار والحاكمية
تصحيح المسار أم مغامرة سياسية؟
بدوره قال الكاتب والباحث في الشأن السياسي أحمد الخضر إن “سيادة الدكتور فائق زيدان قد صوب نحو الخلل الدستوري ودعا إلى ضرورة المراجعة بما ينسجم مع عدم بقاء العراق ضمن دوامة تفسير الكتلة الأكبر مع كل انتخابات، خصوصاً وأن البلاد تمر بمرحلة مهمة جداً تستدعي تصحيح بعض المسارات وتحديد مواطن الخلل لمعالجتها”.
وأضاف الخضر لـ”عراق أوبزيرفر” أن “تحديد الكتلة الأكبر بوصفها الكتلة الفائزة في الانتخابات سيعزز ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية، إذ سيعرف الناخب أن صوته يمنح القائمة الفائزة حق تشكيل الحكومة بشكل مباشر دون الخضوع إلى صفقات قد تفضي إلى تكليف قوى لم تتصدر النتائج، كما أن اعتماد تفسير جديد سيحد من تأثير التحالفات المفاجئة داخل البرلمان ويفقد الكتل الصغيرة جزءاً من قدرتها على تغيير النتائج السياسية بعد الانتخابات، لكن التحدي الأكبر يكمن في أن إعادة التفسير قد تواجه عقبات سياسية لأن النظام العراقي قائم على التوافق لا على حكم الأغلبية الصرفة، كما أن منح الحق حصراً للفائز الأول قد يخلق انسداداً إذا لم يمتلك أغلبية مريحة”.
بين دعوة لتصحيح مسار دستوري وواقع سياسي يقوم على التوازنات، يضع طرح زيدان النظام العراقي أمام اختبار جديد، إما تثبيت قاعدة واضحة تحسم الجدل كل أربع سنوات، أو استمرار الحلقة المفرغة ذاتها التي عطلت تشكيل الحكومات وأضعفت ثقة الناخبين بالعملية الديمقراطية.





