تحليلاتخاص

المحكمة الإدارية العليا تتخذ قراراً تاريخياً: لا صلاحية لـ “شؤون العشائر” في “الداخلية” بتعيين او تثبيت او الغاء مشيخة العشائر

بغداد/ عراق أوبزيرفر

في خطوة وُصفت بأنها مفصلية لإعادة رسم الحدود بين مؤسسات الدولة والبنى الاجتماعية، أرست المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة العراقي مبدأً قضائياً جديداً يقضي بعدم امتلاك وزارة الداخلية أو مديرية شؤون العشائر أي صلاحية قانونية لتعيين أو تثبيت أو إلغاء مشيخة العشائر، مؤكدة أن هذه المكانة تستمد مشروعيتها من الأعراف والقبول المجتمعي وليس من القرارات الإدارية.

ويمثل القرار، بحسب قانونيين ومراقبين، تحولاً مهماً في تنظيم العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات العشائرية، إذ يضع حداً لمحاولات منح الألقاب والوجاهات الاجتماعية عبر الكتب الرسمية، ويعيد الاعتبار للموروث العشائري القائم على الامتداد التاريخي والتوافق الداخلي بين أبناء القبائل.

وجاء في حيثيات الحكم أن موضوع مشيخة العشيرة لا يدخل ضمن الاختصاصات القانونية للجهات الإدارية، وأن دور مؤسسات الدولة يقتصر على تنظيم الشؤون الأمنية والإدارية وفق القوانين النافذة، من دون التدخل في إنشاء أو إلغاء المراكز الاجتماعية التقليدية ذات الطابع العرفي، معتبرة أن أي قرار يصدر بخلاف ذلك يشوبه عيب عدم الاختصاص الجسيم ويستوجب الإلغاء.

ويرى متابعون أن القرار من شأنه الحد من ظاهرة تضخم أعداد من يحملون لقب “شيخ عشيرة” خلال العقود الماضية، بعدما تحولت بعض الألقاب إلى وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو اجتماعية أو سياسية، بعيداً عن الامتداد الحقيقي للعشائر وأعرافها التاريخية.

وفي هذا السياق، قال النائب السابق عدنان دنبوس إن “المحكمة الإدارية وضعت النقاط على الحروف من خلال هذا القرار الجريء، ونحن نعلم أهمية محاربة هذه الظاهرة، كما أن شيوخ القبائل الحقيقيين أدلوا بدلوهم تجاه هذه الممارسات التي تفشت في المجتمع لغرض الكسب غير المشروع والسلوك غير القويم”.

وأضاف دنبوس لـ”عراق أوبزيرفر” أن “نشوء المشيخات في العراق ليس وليد مئة أو مئتي عام، بل هو امتداد تاريخي لأسر معروفة تشكلت في ظروف اجتماعية محددة، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم في أعلى التقديرات نحو مئة شيخ، إلا أن الظاهرة أخذت بالتمدد منذ ستينيات القرن الماضي تبعاً لظروف سياسية وسلوك السلطات المتعاقبة”.

ويشير مختصون إلى أن القرار القضائي قد يسهم في تقليص ظاهرة “المشيخات الورقية” التي برزت في السنوات الأخيرة، حيث اعتمد بعض الأشخاص على النفوذ السياسي أو الظهور الإعلامي لتقديم أنفسهم بوصفهم شيوخاً لعشائر من دون وجود اعتراف عرفي أو إجماع اجتماعي يمنحهم هذه الصفة.

كما يؤكد مراقبون أن استقلال المؤسسة العشائرية عن التدخلات الإدارية يعزز من دورها التقليدي في حل النزاعات المجتمعية والمحافظة على السلم الأهلي، ويمنع تحويل المكانة العشائرية إلى امتياز تمنحه السلطة التنفيذية أو يتغير بتغير موازين النفوذ السياسي.

ومع صدور هذا الحكم الملزم، يبدو أن المحكمة الإدارية العليا فتحت صفحة جديدة في التعامل مع ملف المشيخة في العراق، عبر تكريس مبدأ مفاده أن الألقاب الاجتماعية لا تُمنح بقرار حكومي ولا تُسحب بكتاب رسمي، وإنما يحددها التاريخ والقبول العرفي والإجماع داخل العشيرة، بما يحافظ على أصالة هذه المؤسسة الاجتماعية ويحد من محاولات توظيفها لتحقيق مصالح ضيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });