
بغداد / عراق اوبزيرفر
في الخامس من تشرين الأول من كل عام، يحتفي العالم بـ”اليوم العالمي للمعلم”، ذلك اليوم الذي يُفترض أن يكون مناسبة للامتنان والتقدير، لكنه في العراق يتحول إلى لحظة صادقة للتأمل في واقع المهنة الأصعب والأكثر تأثيراً، والأقل إنصافاً. فبين ازدحام الصفوف وضيق الإمكانات وضبابية القوانين، يقف المعلم العراقي كجندي مجهول في معركة بناء الإنسان، يزرع الأمل في عقول التلاميذ بينما يواجه واقعاً يرهقه الإهمال ويخذله الدعم.
في بغداد، وبين أروقة المدارس الحكومية التي أنهكتها السنوات، تجلس المعلمة مراب صادق لتعيد ترتيب دفاتر طلابها وهي تبتسم بإصرار يشبه الصبر أكثر مما يشبه الفرح. تقول لـ عراق أوبزيرفر: “مهنة التعليم لم تعد مجرد وظيفة، بل رسالة نؤديها رغم التحديات اليومية. في يوم المعلم، نحتاج أن نتذكر أن بناء الوطن يبدأ من الصف الدراسي، وأن المعلم هو الركيزة الأولى في صناعة الأمل. نعمل بإمكانات محدودة، لكننا نؤمن أن كل طالب نحفّزه على التعلم هو استثمار في مستقبل العراق.”
كلمات مراب تختصر حكاية آلاف المعلمين والمعلمات الذين يواصلون عملهم رغم ضغط الظروف الاقتصادية، وضعف الرواتب، وغياب بيئة تعليمية مناسبة. التعليم في العراق اليوم، كما تصفه المعلمة زهراء خليل، يعيش بين طموح الإصلاح وواقع الإنهاك المزمن. تقول زهراء: “اليوم العالمي للمعلم هو تذكير بقيمة العطاء الصامت الذي يقدمه المعلمون كل يوم. نحن نؤمن أن التعليم هو الطريق الحقيقي لتغيير المجتمع، وأن دعم المعلم معنوياً ومادياً هو استثمار في مستقبل أفضل لأبنائنا ووطننا.”
وبين هذا العطاء الصامت وتحديات الميدان، تبقى القوانين هي الحلقة المفقودة في حماية المربي العراقي. فبرغم وجود قانون حماية المعلم، إلا أن الانتهاكات لم تتوقف، سواء في شكل اعتداءات لفظية أو جسدية، أو في الإهمال الإداري الذي يحرم الكوادر من أبسط حقوقهم.
عضو لجنة التربية في مجلس النواب، زليخة الياس البكار، أكدت لـ”عراق أوبزيرفر”، أن المعلم في العراق “لم يحصل بعد على كامل حقوقه، رغم وجود القانون الذي يُفترض أن يصون كرامته”.
وأضافت: “لو طُبّق القانون بشكل فعلي، لما تعرض المعلم للاعتداء داخل المدرسة. لجنة التربية النيابية تقف إلى جانب العملية التربوية وتدعم الكوادر التعليمية والتربوية، ونؤكد على ضرورة تمكين المعلم وتأهيله بشكل لائق للقيام بدوره في التعليم”.
وتابعت البكار أن الدورة الانتخابية الحالية شهدت إقرار تعديل قانون التربية، وهو ما وصفته بالخطوة الأولى نحو إنصاف الكوادر التعليمية، موضحة أن التعديل تضمن مضاعفة المخصصات المهنية، واحتساب الخدمة في القرى والأرياف بامتيازات مضاعفة. كما شددت على أن “المعلم لا يزال بحاجة إلى تعديل قوانين أخرى لضمان حقوقه الكاملة، وحمايته من أي اعتداء سواء داخل المدرسة أو خارجها”.
وفي نهاية آب الماضي، صوّت مجلس النواب على تعديل قانون وزارة التربية رقم (22) لسنة 2011، والذي تضمّن رفع مخصصات التربويين من 150 ألف دينار إلى 300 ألف دينار، فضلاً عن امتيازات جديدة، من أبرزها احتساب الخدمة في المناطق النائية مضاعفة، واحتساب المحاضرات المجانية ضمن الخدمة لأغراض التقاعد، إلى جانب إجراءات تحفيزية تهدف إلى رفع معنويات العاملين في قطاع التعليم.
لكن رغم هذه التعديلات، يرى كثير من المعلمين أن القوانين لا تزال على الورق، وأن التنفيذ هو العقدة المزمنة في المشهد العراقي. فالمعلم الذي يقف أمام تلاميذه في فصول مكتظة لا يجد ما يكفي لتأمين حياة كريمة، ناهيك عن تطوير نفسه مهنياً. بعضهم يواصل العمل في مدارس تفتقر إلى أجهزة التبريد أو حتى المقاعد الكافية، بينما آخرون يضطرون إلى العمل الإضافي لتغطية احتياجات أسرهم.




