العراقامنتحليلاتخاصرئيسيةمحلي

انهيار خلف الجبهات.. حوادث انتحار العسكريين تكشف أزمة صامتة تهدد بنية الأمن العراقي من الداخل

بغداد / عراق اوبزيرفر

تشهد المؤسسات الأمنية في العراق خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً مقلقاً في عدد الضباط والمنتسبين الذين يفقدون حياتهم في ظروف تسجل رسمياً ضمن خانة “الانتحار”، ما فتح الباب أمام أسئلة حساسة تتعلق بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يعيشها عناصر القوات المسلحة.

فبين أعباء الخدمة، وتزايد الالتزامات المعيشية، وغياب منظومات الدعم النفسي، تتبلور أزمة عميقة لا يقتصر تأثيرها على الأفراد فحسب، بل تمتد لتلامس استقرار المؤسسة الأمنية برمتها.

في 9 شباط الجاري، أفاد مصدر أمني، بانتحار ضابط برتبة رائد منسوب إلى جهاز المخابرات الوطني العراقي، وذلك ضمن منطقة الصالحية وسط العاصمة بغداد.

وذكر المصدر، إن “الضابط، وهو منسوب لقسم العمليات في الجهاز، أقدم على الانتحار بإطلاق النار على نفسه من سلاحه الشخصي داخل عجلته المركونة في أحد المرائب (الكراجات) ضمن منطقة الصالحية”، مبيناً أن “المعلومات الأولية والتحقيقات الجارية تشير إلى أن الضابط كان يعاني من مشاكل عائلية وضغوط نفسية أدت إلى اتخاذه هذا القرار”.

وفي الناصرية، أثارت وفاة ضابط برتبة عقيد داخل مقر عمله في مديرية الدفاع المدني صدمة واسعة، خصوصاً مع الإشارات الأولية التي تحدثت عن ظروف شخصية كان يعاني منها قبل الحادث.

وفي ذي قار، فقد ملازم أول حياته داخل منزله عقب عودته من واجبات مكثفة تتعلق بخطة الزيارة الأربعينية، ولم تقتصر الحالات على جنوب البلاد، إذ سُجلت وقائع مشابهة في بغداد والمدائن وكركوك ونينوى، حيث أعلنت قيادة العمليات وفاة نقيب داخل وحدته العسكرية في شباط من العام الماضي، بعد أسابيع من مؤشرات واضحة على تدهور حالته النفسية.

خلال العام 2025 وحده، أُعلنت عدة حوادث مشابهة في محافظات مختلفة. ويرى مختصون أن الضغوط النفسية الناتجة عن طبيعة العمل الأمني، إضافة إلى ضعف الاستقرار المعيشي، والديون، والخلافات الأسرية، تشكل بيئة محفوفة بالمخاطر، خاصة في مجتمع ما زال التعامل مع الصحة النفسية فيه محاطاً بوصمة ثقيلة.

وتوضح الإحصاءات الرسمية اتساع ظاهرة الانتحار بصورة لافتة: أكثر من 45 حالة في ذي قار، 18 في البصرة، 9 في بابل، 4 في الأنبار، وأكثر من 30 في ديالى خلال العام الماضي. وعلى المستوى الوطني، ارتفع العدد من نحو 1100 حالة في 2022 إلى أكثر من 1500 في 2024، ما يعكس منحى تصاعدياً خطيراً.

في خضم ذلك، أكد الخبير الأمني عدنان الكناني، أن حالات الانتحار في العراق تُعدّ غالباً نتيجة ضغوط شخصية أو مشاكل عائلية أو ديون، ولا ترتبط مباشرة بالعمل داخل الأجهزة الأمنية.

وقال الكناني في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر”: “الأجهزة الأمنية العراقية والعاملون بها هم عراقيون، والضغوط النفسية قد تؤدي إلى مشكلات مثل زيادة حالات الطلاق، وهذا لا علاقة له بالعمل الأمني”.
وأضاف: “يجب متابعة التغيرات النفسية للمنتسبين، فبعضهم يشعر بالمظلومية أو تغييب حقوقه، بينما يحصل زملاء آخرون على مكافآت لكونهم قريبين من مصدر القرار دون بذل جهد”.

وأشار الكناني إلى أهمية وجود قسم نفسي متكامل وعيادة متخصصة داخل المؤسسات الأمنية، يشابه العيادات الطبية، لمعالجة الانهيارات النفسية وتقريب وجهات النظر بين المنتسبين.

إلى جانب ذلك، يكشف الخبير العسكري صفاء الأعسم عن جانب آخر للأزمة، مشيراً إلى أن بعض الضباط يتعرضون لابتزاز مرتبط بملفات فساد أو علاقات اجتماعية حساسة، ما يجعلهم يشعرون بالعجز أو الخوف من فقدان مكانتهم، وهو ما يعتبره “مؤشراً خطيراً يهدد تماسك الجهاز الأمني”.

وبين الضغوط النفسية، والعوامل المعيشية، والابتزاز، والفراغ التشريعي التنفيذي، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك وطني شامل يعيد بناء منظومة حماية نفسية داخل المؤسسات الأمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });