
بغداد / عراق اوبزيرفر
بعد أن سجلت الانتخابات العراقية الأخيرة نسبة مشاركة تجاوزت 56%، وهي الأعلى منذ ما يقارب عقدٍ من الزمن، تصاعدت الأسئلة حول مستقبل التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر، خصوصاً بعد انسحابه المفاجئ من العملية السياسية قبل عامين وتركه فراغاً واسعاً داخل الخريطة البرلمانية.
وبين من يرى أن الصدر خرج نهائياً من اللعبة السياسية، ومن يعتقد أنه ينتظر اللحظة المناسبة للعودة، تبرز قراءة أعمق للمشهد، تكشف أن التيار الصدري لم يغادر المشهد فعلياً، بل أعاد تشكيل موقعه بطرق مختلفة.
المحلل السياسي نزار حيدر يقول في حديثه لـ عراق أوبزيرفر إن الصدر “دخل العملية السياسية وخاض الانتخابات بإرادته، وخرج منها بإرادته”.
يصف التيار الصدري بأنه يمتلك “أكبر قاعدة جماهيرية منضبطة في العراق”، وهي نقطة يراها كثيرون عنصر قوة استثنائياً، لا سيما في بيئة سياسية متحركة وغير مستقرة.
ويعتقد حيدر أن الصدر قادر على العودة في أي وقت يختاره، لأن خروجه لم يكن نتيجة خسارة أو ضعف سياسي، بل نتيجة قناعة يكررها الصدر في خطاباته حول “فساد العملية السياسية” وضرورة تطهيرها قبل العودة إليها. هذا التفسير يجعل مستقبل التيار مرتبطاً بإرادة الصدر وحده، وبالتوقيت الذي يراه مناسباً لإعادة الدخول إلى المعادلة أو التأثير عليها.
ديناميكية السياسة العراقية.. ورمال متغيرة
العملية السياسية في العراق لا تستقر على حال، بحسب حيدر، فهي تعمل فوق “رمال متغيرة” تجعل كل الاحتمالات واردة. ما كان مستحيلاً قبل أشهر يصبح ممكناً فجأة، وما يبدو ثابتاً يمكن أن يتبدل بسرعة كبيرة. هذه الطبيعة الهشة والمعقدة للنظام السياسي تسمح للتيار الصدري بأن يبقى لاعباً مؤثراً حتى وهو خارج المؤسسات الرسمية، بل وربما تمنحه ميزة إضافية في التأثير الشعبي دون تحمل أعباء المناصب والالتزامات الحكومية.
تيار يعمل خارج البرلمان.. لكنه داخل المجتمع
رغم غياب التيار الصدري عن البرلمان، إلا أنه لم يغب عن المجتمع. الصدر ما يزال يوجه قاعدته عبر تغريدات ورسائل دينية وسياسية تضمن الحفاظ على انضباطهم. حيدر يؤكد أن الصدر “يهدف حالياً إلى حماية تياره من التشتت والتفكك”، عبر إبقاءه بعيداً عن الصراعات التقليدية بين الكتل السياسية، وفي الوقت ذاته بعيداً عن التورط في السلطة التي يصفها بـ”الفاسدة”.
هذا التموضع منح التيار فرصة لترتيب صفوفه داخلياً، وإعادة تنظيم قواعده الشعبية، خصوصاً بعد الأحداث السياسية الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين. كثير من مراقبي المشهد يرون أن التيار الصدري اليوم أقرب إلى “حركة اجتماعية” منه إلى “كتلة سياسية”، لكنها حركة قادرة على قلب موازين القوى في أي وقت.



