
بغداد/ عراق أوبزيرفر
أعادت تصريحات رئيس منظمة بدر هادي العامري بشأن دور “المقاومة” في مواجهة احتجاجات تشرين فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العراق، بعدما أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن هوية الجهات التي شاركت في مواجهة المتظاهرين خلال احتجاجات عام 2019، ومصير التحقيقات المتعلقة بقتل وإصابة المحتجين، بعد سنوات ظل خلالها مصطلح “الطرف الثالث” حاضراً في توصيف جزء من عمليات إطلاق النار والاغتيالات التي لم تعلن الجهات الرسمية بصورة حاسمة هوية منفذيها.
وقال العامري إن “المقاومة وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي”، وهي العبارة التي أثارت ردود فعل سياسية وحقوقية واسعة، بعدما فسّرها ناشطون ومراقبون باعتبارها أول حديث بهذا الوضوح من قائد بارز في الفصائل المسلحة عن وجود دور لـ”المقاومة” في مواجهة الاحتجاجات، فيما تركز الجدل على طبيعة ذلك الدور وما إذا كان يقتصر على موقف سياسي وأمني من الاحتجاجات أم يمتد إلى الأحداث الدامية التي رافقتها.
وتحولت الاحتجاجات سريعاً إلى واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ العراق بعد عام 2003، مع سقوط مئات القتلى وآلاف المصابين، فيما وثقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق عمليات قتل واستخدام مفرط للقوة واعتقالات وخطفاً واستهدافاً لناشطين، وقالت في تقارير لاحقة إن جانباً من الهجمات نُسب إلى “عناصر مسلحة مجهولة”، وهو توصيف استخدمته أيضاً في توثيق عمليات استهداف ساحات الاحتجاج والناشطين خارجها.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، وثقت بعثة “يونامي” مقتل ما لا يقل عن 487 متظاهراً وإصابة 7715 آخرين بين تشرين الأول 2019 ونهاية نيسان 2020 نتيجة عنف قوات أمنية وحوادث نُسبت إلى عناصر مسلحة غير محددة الهوية، فيما تحدثت تقديرات حقوقية عراقية ودولية أوسع عن أعداد أكبر من الضحايا والمصابين خلال مجمل فترة الاحتجاجات.
وكانت واحدة من أبرز محطات العنف ليلة السادس من كانون الأول 2019 عندما اقتحم مسلحون مناطق قريبة من ساحتي التحرير والخلاني وجسر السنك وسط بغداد وأطلقوا النار على المتظاهرين، فيما وثقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 22 متظاهراً وإصابة أكثر من 100 آخرين في ذلك الهجوم، كما سجلت أحداثاً أخرى في النجف والناصرية والبصرة وميسان وبابل ارتبطت بإطلاق النار على محتجين من قبل جهات مسلحة أو حراس مقرات سياسية ودينية.
مسار مختلف
بدوره، قال مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل إن “الاحتجاجات التي شهدها العراق، ولا سيما انتفاضة تشرين، جاءت في إطار الحق الدستوري بالتعبير والتظاهر، وعكست أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة تتعلق بالفقر والبطالة والخدمات وفرص العمل، ولذلك فإن أي حديث عن مسؤولية جماعات مسلحة عن قتل المحتجين يضع القضية أمام مسار مختلف يتجاوز الخلاف السياسي إلى المساءلة القانونية والقضائية”.
وأوضح فيصل في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “ما صدر عن هادي العامري إذا كان يتضمن إقراراً بمسؤولية المقاومة أو بعض الفصائل المسلحة عن قتل المحتجين، فإن ذلك يمثل مسألة بالغة الخطورة تستوجب التحقيق، لأن الاعترافات والمعلومات المتعلقة بوقائع القتل والانتهاكات يمكن أن تكون أساساً للمساءلة، ولا يمكن التعامل مع قتل مواطنين كانوا يمارسون حقاً دستورياً باعتباره خلافاً سياسياً عابراً”.
وأشار إلى أن “اتهام متظاهرين أو ناشطين بالعمالة أو الارتباط بدول أجنبية لا يمنح أي جهة الحق في معاقبتهم خارج القانون، فإذا كانت هناك أدلة على ارتكاب أي شخص مخالفة أو جريمة فإن القضاء هو الجهة التي تتولى التحقيق والمحاكمة، أما عمليات القتل والاغتيال أو التصفية خارج المؤسسات القضائية فتمثل خروجاً على الدستور وسيادة القانون”.
وأضاف فيصل أن “وجود قوات مسلحة وأجهزة أمنية رسمية يجعل التعامل مع الاضطرابات والاحتجاجات مسؤولية مؤسسات الدولة حصراً، وليس مسؤولية جماعات أو فصائل مسلحة تقرر بصورة منفردة متى تتدخل ومن تواجه، لأن استمرار تعدد مصادر السلاح والقرار الأمني يؤدي في النهاية إلى إضعاف مفهوم الدولة ويفتح الباب أمام فرض إرادات سياسية بالقوة”.
ويعيد الجدل الحالي ملف تشرين إلى نقطة لم تُحسم منذ أكثر من ستة أعوام، وهي تحديد المسؤولية الفردية والمؤسساتية عن عمليات قتل المتظاهرين واستهداف الناشطين، إذ لا تزال عائلات الضحايا وقوى مدنية وحقوقية تطالب بإكمال التحقيقات وكشف الجهات التي كانت تقف خلف الهجمات المسلحة وعمليات الاغتيال والخطف.




