
بغداد /عراق أوبزيرفر
في خطوة تعكس توجهاً حكومياً نحو الانتقال من معالجة ملفات الفساد بعد وقوعها إلى العمل على منعها قبل نشوئها، وجّه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بتشكيل فريق متخصص من ديوان الرقابة المالية الاتحادي يتولى تدقيق العقود الحكومية بصورة قبلية، على أن تُنجز عمليات التدقيق خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام عمل، مع وضع سقوف مالية محددة للعقود المشمولة بهذا الإجراء.
وجاء توجيه الزيدي خلال زيارة أجراها إلى مقر ديوان الرقابة المالية الاتحادي، حيث ترأس اجتماعاً مشتركاً ضم رئيس الديوان ورئيس هيئة النزاهة، بحضور وزير المالية، وخصص لبحث آليات تعزيز الرقابة الوقائية وحماية المال العام، إلى جانب تطوير إجراءات تدقيق العقود الحكومية بما يضمن الحد من الثغرات التي قد تتحول لاحقاً إلى مخالفات أو ملفات فساد.
ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي عبدالسلام حسن، أن “اعتماد التدقيق القبلي للعقود يمثل خطوة مهمة في إصلاح منظومة الرقابة المالية، لأنه ينقل الدولة من أسلوب اكتشاف الخلل بعد وقوعه إلى محاولة منعه منذ المراحل الأولى”، مبيناً أن “سرعة التدقيق خلال مدة محددة يمكن أن تحقق توازناً بين الرقابة من جهة وعدم تعطيل المشاريع الحكومية من جهة أخرى”.
وأضاف حسن لـ”عراق أوبزيرفر” أن “تحديد سقوف مالية واضحة للعقود التي تخضع للتدقيق القبلي من شأنه أن يجعل الإجراءات أكثر فاعلية، خصوصاً أن العقود الحكومية تمثل واحدة من أهم المسارات التي تتحرك عبرها الأموال العامة، وبالتالي فإن إحكام الرقابة عليها منذ البداية يقلل من فرص تمرير عقود تتضمن كلفاً مبالغاً فيها أو شروطاً لا تتناسب مع المصلحة العامة”.
وأشار إلى أن “الجانب الأهم في هذا التوجه هو أن الرقابة لا ينبغي أن تتحول إلى إجراء شكلي، وإنما يجب أن تكون مبنية على معايير فنية وقانونية واضحة، وأن تشمل دراسة الأسعار والكلف والمواصفات وآليات التنفيذ، لأن معالجة الخلل قبل توقيع العقد تكون أقل كلفة وأسهل بكثير من الدخول لاحقاً في نزاعات أو تحقيقات تتعلق بمشروع متعثر أو أموال مهدرة”.
ويؤكد مراقبون أن توجه الحكومة نحو تفعيل الرقابة الوقائية يمكن أن يضيف مساراً جديداً إلى جهود مكافحة الفساد، لاسيما مع التشديد على أن تكون العقود الحكومية مستوفية للمتطلبات القانونية والفنية وأن تستند إلى أسعار عادلة ومعقولة، فضلاً عن متابعة تنفيذ المشاريع وفق المواصفات والجودة المتفق عليها.
كما شدد الزيدي خلال الاجتماع على ضرورة إبعاد ديوان الرقابة المالية عن الاعتبارات السياسية والمحاصصة، واعتماد الكفاءة والنزاهة والمهنية والحياد أساساً في عمله، مؤكداً التزام الحكومة بتقديم الدعم والإسناد إلى الديوان وهيئة النزاهة بما يمكنهما من أداء مهامهما بكفاءة واستقلالية.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار توجه حكومي يركز على حماية المال العام عبر تشديد الرقابة على الإنفاق والعقود منذ مراحلها الأولى، بما يحد من فرص تضخم الكلف أو وجود مخالفات قانونية وفنية، ويعزز قدرة مؤسسات الدولة على اكتشاف الثغرات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى ملفات فساد تستنزف الموارد العامة.




