
بغداد / عراق اوبزيرفر
بعد مرور عشرين عاما على الاستفتاء التاريخي الذي أقرّ دستور جمهورية العراق عام 2005، يتجدد الجدل حول صلاحيته ومتانته، بين من يراه منجزا وطنيا يجب التمسك به، ومن يعتبره أصل أزمات الدولة الحديثة وسبب ارتباك النظام السياسي منذ ولادته.
وفي الوقت الذي احتفت فيه رئاسة الجمهورية بذكرى إقراره، مؤكدة أنه يمثل “عقدا اجتماعيا مقدسا” ومرتكزا لبناء الدولة الديمقراطية، خرج الخبير القانوني علي التميمي بتصريحات لاذعة لـ”عراق أوبزيرفر”، وصف فيها الدستور بأنه “ولد على عجالة” و”حمل بالثغرات والمثالب” التي ما تزال تقيد العراق حتى اليوم.
*ظرف متوتر
التميمي يرى أن الدستور العراقي وُضع في ظرف سياسي متوتر، وفي مرحلة انتقالية لم تكن فيها البيئة العامة ناضجة لصياغة عقد اجتماعي دائم، موضحا أن عملية الاستفتاء جرت على نحو متسرع دون إتاحة الوقت الكافي للمواطنين أو حتى للخبراء القانونيين للاطلاع الكامل على مواده.
ويقول: “كان يجب أن تمنح فترة زمنية أطول، وأن تشرح مواده مادة مادة للشعب، لأن أغلب الناس حينها لم يفهموا طبيعة هذا الدستور الجامد الذي فرض بوصفه دستورا دائما، رغم أن البلاد كانت تعيش مرحلة مؤقتة”.
ويضيف أن الدستور السابق لعام 1970 كان مؤقتا بطبيعته، أما دستور 2005 فقد جعل دائما بلا مبرر، وكأنه “نص مقدس غير قابل للتعديل”، في حين أن الدساتير الحديثة — كما في الولايات المتحدة وفرنسا — قابلة للتطوير والتعديل المستمر. فالتميمي يرى أن الإصرار على جمود النصوص الدستورية في العراق جعلها غير قادرة على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية، محذرا من أن “جميع الأزمات السياسية في العراق منذ 2005 تعود إلى خلل في النصوص الدستورية ذاتها”.
ويشير التميمي إلى أن مقدمة الدستور (الديباجة) لم تكن رصينة بما يكفي لتعكس هوية وطنية جامعة، وأنها افتقدت إلى اللغة التوحيدية التي تجمع المكونات. أما من حيث المحتوى، فقد أشار إلى وجود مواد خلافية ساهمت في تعقيد المشهد السياسي، خاصة فيما يتعلق “الكتلة النيابية الأكثر عددا”، والتي تحولت إلى محور نزاع بعد كل انتخابات برلمانية بسبب غموض تعريفها وتعدد تفسيراتها. كما لفت إلى أن اختصاصات رئيس الجمهورية ومدة تولي السلطات التنفيذية ظلت غامضة وغير محددة بوضوح، مما أضعف توازن السلطات وأربك شكل النظام السياسي.
*نظام رئاسة
ويؤكد الخبير القانوني أن العراق كان بحاجة إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي على غرار النموذج الفرنسي، حيث يُنتخب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، ويعين رئيس الوزراء من البرلمان، وهو ما كان سيحقق توازنا في السلطة التنفيذية ويقلل من النزاعات السياسية المستمرة. أما المادة (140)، التي تناولت “المناطق المتنازع عليها”، فيعتبرها التميمي مصطلحا غير دقيق، لأن مفهوم “التنازع” عادة ما يستخدم بين الدول، وليس داخل الدولة الواحدة، ما جعلها مثار خلاف دستوري طويل الأمد بين بغداد وأربيل.
*ماذا عن التعديل
كما انتقد صعوبة تعديل الدستور الحالي، مشيرًا إلى أن آلية التعديل نفسها “جامدة ومعقدة”، ما يجعل تصحيح الأخطاء شبه مستحيل، قائلاً: “حتى تعديل الدستور في العراق يحتاج إلى دستور جديد”.
*لهجة احتفالية
وفي المقابل، حمل بيان رئاسة الجمهورية لهجة احتفالية متفائلة بمناسبة الذكرى العشرين لإقرار الدستور، إذ أكدت الرئاسة أن “التمسك بالدستور وتطبيق مواده نصا وروحا هو الطريق الوحيد لحماية النظام الديمقراطي وصون وحدة البلاد”.
البيان وصف يوم الخامس عشر من تشرين الأول 2005 بأنه “محطة وطنية فاصلة” في مسيرة بناء الدولة العراقية، مشيرًا إلى أن الدستور مثّل “ثمرة خيار وطني حرّ ومسؤول” ونتاج توافق مجتمعي بين مختلف المكونات العراقية.
ورغم هذا الخطاب الإيجابي، فإن البيان الرئاسي نفسه تضمّن اعترافًا غير مباشر بوجود نواقص تشريعية وتنفيذية لم تُستكمل بعد، إذ دعا إلى “تسريع إقرار المشاريع القانونية” المقدمة إلى مجلس النواب، ومن بينها قوانين المحكمة الاتحادية، والمجلس الأعلى للمياه، وقانون تمكين المرأة، وقانون النفط والغاز، إضافة إلى استكمال المادة (140) المثيرة للجدل.
كما شدد البيان على أن دستور العراق “من الدساتير المتقدمة والمنسجمة مع مبادئ حقوق الإنسان”، معتبرًا أنه أسس لانتقال العراق من نظام شمولي إلى فيدرالي ديمقراطي، لكنه في الوقت ذاته دعا إلى “وحدة الكلمة ورص الصفوف”، في إشارة إلى أن روح الانقسام السياسي ما تزال تهدد جوهر الدستور ذاته الذي يفترض أن يوحد العراقيين.
ويبدو أن المفارقة الكبرى تكمن بين رؤية التميمي القانونية الصارمة التي تدعو إلى “إعادة النظر بالدستور من جذوره”، ورؤية الرئاسة التي تتمسك به كـ”عقد اجتماعي لا بديل عنه”. وبين هذين الموقفين، يظل الواقع العراقي مليئا بالشواهد التي تثبت أن النصوص الدستورية — كما قال التميمي — “حمالة أوجه”، يمكن تفسيرها حسب المزاج السياسي السائد، مما يجعلها مصدرا للأزمة بدل أن تكون حلاً لها.




