
بغداد / عراق اوبزيرفر
في مشهد سياسي وأمني بالغ التعقيد، تزامن حدثان بارزان أثارا جدلاً واسعاً في الأوساط العراقية والإقليمية. الأول تمثل بالقصف الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفاً قادة وفد حركة حماس خلال اجتماع تفاوضي حول العرض الأمريكي لوقف الحرب في غزة. والثاني جاء بعد ساعات قليلة فقط، بإعلان إطلاق سراح الباحثة الروسية ـ الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف، التي كانت مختطفة في العراق منذ أكثر من عامين.
هذا التزامن المثير للدهشة فتح الباب أمام سيل من التأويلات حول خلفيات الإفراج عن تسوركوف، وحول الرسائل المتبادلة في الإقليم بين إسرائيل والفصائل المسلحة وإيران وواشنطن، وبين هذه القوى والدولة العراقية التي تحاول الظهور بمظهر القادرة على الإمساك بزمام المبادرة في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.
الضربة والرسالة المزدوجة
المحلل السياسي علي الحبيب قال في حديث خاص لـ”عراق أوبزيرفر”، إن إطلاق سراح الباحثة الروسية ـ الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف جاء في توقيت “مثير للدهشة” متزامناً مع القصف الإسرائيلي الذي استهدف قادة وفد التفاوض لحركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة.
وأوضح الحبيب أن الضربة على الدوحة حملت رسائل قوية للفصائل المسلحة في المنطقة، أو ما وصفها بـ”الأذرع الإيرانية”، بأنها قد تكون أهدافاً لعمليات استهداف مقبلة، بما في ذلك الجهة التي اختطفت تسوركوف.
وأضاف أن هذه الأطراف باتت تشعر بضغط متزايد، وأدركت أن الاحتفاظ بالمختطفة قد تحول إلى عبء أكثر من كونه ورقة ضغط، خاصة في ظل التصعيد الراهن.
وأشار الحبيب إلى أن مصادر عدة تتحدث عن وجود صفقة مرتبطة بالإفراج عن تسوركوف، من بينها تسهيل انسحاب القوات الأمريكية من العراق بشكل هادئ ودون تصعيد عسكري. كما لم يستبعد أن يكون الإفراج قد تم بتسهيلات روسية، بالنظر إلى أن تسوركوف تحمل الجنسية الروسية.
وبيّن أن الحكومة العراقية أرادت من خلال هذه الخطوة أن تثبت سيطرتها على الوضع الأمني، وربما رأت أن هذا التوقيت هو الأنسب لتسجيل “نقطة سياسية” عبر الإفراج عن الباحثة.
وأكد الحبيب أن التزامن بين إطلاق سراح تسوركوف والضربة على الدوحة “ليس صدفة على الإطلاق”، معتبراً أن الجهة الخاطفة أدركت أن ورقة تسوركوف أصبحت ضعيفة وغير مجدية.
وتابع “إن الإفراج عنها قد يكون رسالة ضمنية بأن الفصائل في العراق لا ترغب بالذهاب إلى مواجهة مفتوحة داخل البلاد”.
صفقة في الكواليس؟
مصادر عدة تحدثت عن وجود صفقة غير معلنة وراء إطلاق سراح تسوركوف، تقضي ـ وفق التسريبات ـ بتسهيل انسحاب القوات الأمريكية من العراق بشكل سلس دون تصعيد عسكري.
لكن الأهم أن إطلاق سراح تسوركوف جاء ليعمل كـ”حقنة مهدئة” في جسد عراقي مثقل بالقلق. فالقصف الإسرائيلي لقطر ـ الدولة الوسيطة واللاعب الخليجي المهم ـ أسس لقناعة جديدة بأن إسرائيل مستعدة لتجاوز الخطوط الحمراء وضرب أي دولة، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب.
تاريخ من المساومات الفاشلة
تسوركوف اختُطفت في بغداد في آذار 2023، واتهمت واشنطن فصائل عراقية بالوقوف خلف العملية. طوال عامين، بذلت الإدارة الأمريكية ضغوطاً متواصلة على بغداد لإطلاق سراحها، لكن المحاولات باءت بالفشل.
انتشرت تسريبات عن صفقات محتملة، منها مبادلتها برهائن لدى الجيش الإسرائيلي من حزب الله اللبناني، أو إطلاق سجين إيراني في العراق متهم بقتل مواطن أمريكي. غير أن كل تلك الصفقات لم تتحقق.
في النهاية، جرى الإفراج عن تسوركوف “بلا مقابل معلن”، لكن بعد ساعات فقط من قصف إسرائيل للدوحة، ما أعطى الانطباع بأن التوقيت لم يكن محض صدفة بل جزء من لعبة رسائل وضغوط معقدة.




