
بغداد/ عراق أوبزيرفر
رغم التحسن النسبي الذي شهدته الخزانات والسدود العراقية خلال الأشهر الماضية بفعل زيادة الأمطار وارتفاع الإطلاقات المائية، فإن خبراء يؤكدون أن أزمة المياه في العراق لم تنتهِ، بل دخلت مرحلة جديدة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات الموسمية إلى بناء استراتيجية طويلة الأمد تعزز الأمن المائي وتحد من آثار التغير المناخي وتراجع الموارد القادمة من خارج الحدود.
ومع مجيء حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، برز ملفا المياه والبيئة ضمن أولويات الرؤية الحكومية بعيدة المدى، في ظل مساعٍ لربط التنمية الاقتصادية بالاستدامة البيئية وتعزيز القدرة على مواجهة آثار التغير المناخي.
وفي هذا السياق، أكد الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية، عبد الله الدردي، أن الحكومة العراقية تضع هذين الملفين في صدارة اهتماماتها، مشيراً إلى أن “الزيدي يتحدث عن رؤية تمتد حتى عام 2050، وأن أي خطة اقتصادية مستقبلية لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون مراعاة تحديات المناخ وشح المياه”.
كما شدد على أن “الأمم المتحدة ستواصل دعمها للمشاريع البيئية في العراق وسد الثغرات المؤسسية والمالية، معتبراً أن نجاح هذه الجهود يعتمد بالدرجة الأولى على قيادة الحكومة العراقية ورؤيتها الوطنية”.
حوار مفتوح مع أنقرة
وتشير التطورات الأخيرة إلى تسجيل ارتفاع في مناسيب نهري دجلة والفرات وتحسن أوضاع الأهوار الجنوبية بعد سنوات من الجفاف، كما أعلنت الجهات المختصة زيادة الاحتياطي المائي بما منح الحكومة مساحة أفضل لإدارة موسم الصيف ودعم بعض المناطق المتضررة، الأمر الذي انعكس على عودة جزئية للنشاط الزراعي والبيئي في عدد من المحافظات الجنوبية.
وفي الوقت نفسه، تواصل بغداد حواراتها مع أنقرة بشأن تقاسم الموارد المائية وضمان إطلاقات أكثر استقراراً، وسط تأكيدات رسمية على أهمية الوصول إلى تفاهمات عادلة ومستدامة.
ويرى مختصون أن التحسن الحالي لا ينبغي أن يدفع إلى التراخي، إذ ما تزال تحديات انخفاض الإيرادات المائية، والاعتماد الكبير على الأنهار العابرة للحدود، وتزايد الطلب المحلي، عوامل تضغط على مستقبل الأمن المائي العراقي، بما يفرض تسريع مشاريع تحديث شبكات الري وتقليل الهدر والاستثمار في إعادة استخدام المياه المعالجة والتقنيات الذكية لإدارة الموارد.
تطوير المنظومة
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشأن البيئي وخبير المناخ رمضان حمزة إن “مستقبل العراق المائي لن يُبنى على زيادة كميات المياه وحدها، وإنما على قدرة المؤسسات على تطوير منظومة مرنة قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية والضغوط المتزايدة على الموارد”.
وأضاف حمزة في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من إدارة الندرة إلى إدارة المرونة، عبر ربط سياسات المياه بالطاقة والغذاء والتنمية الاقتصادية، واعتماد الحوكمة الرشيدة والبيانات الحديثة والتخطيط طويل الأمد لضمان استدامة الموارد”.
وأكد أن “إعادة استخدام المياه المعالجة، وتقليل الفواقد في شبكات النقل، وتوسيع الاستثمار في التقنيات الذكية والرصد المبكر، تمثل أدوات أساسية لتعزيز قدرة العراق على مواجهة موجات الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة”.
وشدد على أن “نجاح أي سياسة مائية لا يقاس بعدد المؤتمرات أو الخطط الموضوعة، بل بمدى انعكاسها على تحسين إدارة الأحواض المائية وشبكات الري وحماية نوعية المياه وإشراك الجامعات والمزارعين والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في صناعة القرار”.
ويخلص مختصون إلى أن العراق يقف اليوم أمام فرصة لإعادة صياغة سياساته المائية مستفيداً من التحسن المؤقت في المخزون المائي، إلا أن استدامة هذا التحسن ستظل مرتبطة بمدى نجاح الإصلاحات الداخلية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، بما يحول ملف المياه من أزمة متكررة إلى ركيزة للأمن الوطني والتنمية المستدامة.



