
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تتجه الحكومة العراقية نحو مرحلة حاسمة في إعداد موازنة عام 2027، بعدما قرر رئيس الوزراء علي فالح الزيدي تخصيص جلسة مجلس الوزراء المقررة الثلاثاء المقبل لمناقشة مشروع القانون، تمهيداً لإقراره وإحالته إلى البرلمان، في خطوة تستهدف تنظيم الالتزامات المالية للدولة وضمان استمرار الرواتب والمشاريع الخدمية والاستثمارية، وسط تحديات اقتصادية فرضتها الحرب الإقليمية واضطرابات تصدير النفط عبر مضيق هرمز.
وتأتي التحركات الحكومية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إقرار موازنة قادرة على الموازنة بين الإنفاق التشغيلي ومتطلبات التنمية، خصوصاً مع وجود مشاريع متوقفة ومستحقات مالية للمقاولين والمزارعين، فضلاً عن حاجة المحافظات إلى تخصيصات إضافية لاستكمال مشاريع البنى التحتية، الأمر الذي يضع الحكومة والبرلمان أمام اختبار يتعلق بسرعة إقرار القانون وتحديد أولويات الإنفاق.
وبحسب المعطيات الأولية المتداولة، يبلغ إجمالي الإنفاق المقترح نحو 217 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة تتجاوز 174 تريليون دينار، بعجز مخطط له يبلغ نحو 43 تريليون دينار، وهي أرقام لا تزال مرتبطة بمسودة المشروع التي تخضع للمراجعة قبل اعتمادها بصورة نهائية، فيما تشير التوجهات الحكومية إلى اعتماد موازنة البرامج والأداء وربط التخصيصات المالية بالنتائج الفعلية بدلاً من الاكتفاء بتوزيع الأموال على المؤسسات.
وفي هذا السياق، أكد نائب رئيس الوزراء رئيس المجلس الوزاري للاقتصاد محمد تميم، خلال اجتماع خصص لمناقشة بنود الموازنة، أن رواتب الموظفين والمتقاعدين لعام 2027 مؤمنة بالكامل، وأن الحكومة تعتمد تقديرات متحفظة لأسعار النفط، مع عدم وجود توجه لرفع الدعم عن المحروقات، في محاولة لتقليل تأثير التقلبات الإقليمية على الالتزامات الأساسية للدولة.
وتبرز الكهرباء ضمن أولويات مشروع الموازنة، مع توجه لتوفير تخصيصات تدعم خطط إضافة نحو عشرة آلاف ميغاواط إلى الشبكة الوطنية، بالتوازي مع إدراج مشروع طريق التنمية وصندوق الأجيال السيادي ضمن الأولويات الاستراتيجية، إلى جانب العمل على رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى نحو 19 بالمئة، بما يعزز تنويع الموارد المالية ويخفف تدريجياً من الاعتماد على العائدات النفطية.
وفي موازاة ذلك، شهد ملف تخصيصات المحافظات تطوراً بعد موافقة الزيدي على زيادتها بمقدار تريليون دينار، لترتفع إلى ستة تريليونات دينار، منها 4.5 تريليون دينار لتنمية الأقاليم و1.5 تريليون دينار للبترودولار، عقب مباحثات استمرت ثلاثة أيام، في خطوة تستهدف توفير تمويل إضافي للمشاريع المحلية ومعالجة جانب من التعثر الخدمي في المحافظات.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة بالنسبة للمحافظات التي تعاني ضعفاً في البنى التحتية وتباطؤاً في تنفيذ المشاريع، إذ يبرز ملف التوزيع العادل للتخصيصات بوصفه أحد التحديات التي ينبغي معالجتها خلال مناقشة الموازنة، بما يضمن مراعاة الاحتياجات الفعلية للسكان ومستويات التنمية في كل محافظة.
تطور مهم
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي عباس الشطري أن “وصول العراق إلى مرحلة مناقشة موازنة عامة لعام 2027 يمثل تطوراً مهماً في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة”، مشيراً إلى أن “تراجع الصادرات النفطية خلال الأشهر الماضية جعل إعداد موازنة جديدة تحدياً كبيراً أمام الحكومة، خصوصاً مع الحاجة إلى استمرار الإنفاق على الرواتب والخدمات والمشاريع الأساسية”.
وأوضح الشطري في حديث لـ”عراق أوبزيرفر” أن “وجود مشروع موازنة في الظروف الحالية يمثل فرصة ينبغي استثمارها وعدم إضاعتها بالخلافات السياسية، لأن البلاد تحتاج إلى استئناف المشاريع المتوقفة وتسديد مستحقات المقاولين والمزارعين، فضلاً عن ضمان استمرار الإنفاق التشغيلي والاستثماري، ولذلك فإن المسؤولية تنتقل إلى مجلس النواب للإسراع في مناقشة القانون بعيداً عن الحسابات المتعلقة بحصص الكتل السياسية وتوزيع التخصيصات”.
وفي ما يتعلق بالعجز المالي، يرى الشطري أن “الرقم المقترح البالغ 43 تريليون دينار ينسجم مع المعطيات الاقتصادية الحالية، لكنه ليس بالضرورة رقماً ثابتاً، إذ يمكن تقليصه من خلال تحسين كفاءة إدارة الأموال العامة وتشديد الرقابة على المشاريع والإنفاق الحكومي، فضلاً عن الاستفادة من أدوات التمويل المتاحة، ومنها السندات الحكومية”.
وتبقى جلسة الثلاثاء محطة مهمة في مسار الموازنة، إذ تسعى الحكومة إلى استكمال مراجعة المشروع وإحالته إلى مجلس النواب، بينما يرتبط توقيت إقراره النهائي بقدرة القوى السياسية على تجاوز خلافات توزيع التخصيصات، بما يتيح بدء السنة المالية الجديدة بإطار واضح للإنفاق وتمويل المشاريع واستمرار الخدمات.




