العراقتحليلاتخاص

تهديد خفي في مطاعم وأسواق العراق.. التسمم الغذائي يكشف هشاشة الرقابة ويهدد السلامة العامة

بغداد / عراق اوبزيرفر

لم يعد خبر تسجيل حالات تسمم غذائي في العراق يثير الدهشة بقدر ما يثير القلق المتصاعد بين المواطنين، بعدما باتت الإصابات تسجَّل كثيراً في مستشفيات العاصمة والمحافظات، نتيجة تناول أطعمة غير صالحة أو ملوثة. مشاهد الأطفال الممددين على أسرّة الطوارئ، والنساء اللواتي يعانين من التقيؤ والدوار الحاد بعد وجبات سريعة أو أطعمة منزلية محفوظة بشكل سيء، أصبحت صورة مألوفة تعكس خللًا عميقًا في منظومة الرقابة الصحية والأمن الغذائي.
ظاهرة آخذة بالاتساع

التقارير الطبية الأخيرة تكشف عن منحنى متصاعد لحالات التسمم، فيما يرجع خبراء الصحة هذا الارتفاع إلى عوامل مترابطة، تبدأ من ضعف الرقابة على الأسواق والمطاعم، ولا تنتهي عند نقص وعي المواطن بطرق التخزين والحفظ السليم. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الضاغطة وارتفاع الأسعار، يلجأ الكثير من العراقيين إلى شراء الأطعمة الرخيصة أو الجاهزة التي غالبًا ما تُحضَّر في ظروف غير صحية، ما يضاعف المخاطر.

أربع مراحل للتعامل مع أي حادث تسمم
مدير قسم الرقابة الصحية في وزارة الصحة، محمد عبد الرضا عباس، أوضح في حديث تابعته ”عراق أوبزيرفر” أن فرق الرقابة الصحية تتبع أربع مراحل دقيقة للتعامل مع أي حالة تسمم.

يقول عباس: “المرحلة الأولى تبدأ بالاستجابة الفورية والتقصي السريع، إذ تُشكَّل فرق ميدانية فور ورود بلاغ من المستشفيات أو المواطنين أو الأجهزة الأمنية. يتم جمع المعلومات من المصابين عن الأعراض والطعام المشتبه به ومكان تناوله، إضافة إلى زيارة الموقع وغلقه مؤقتًا لحين انتهاء التحقيق، مع أخذ عينات من الأغذية وأيدي العاملين وأدوات التحضير لفحصها”.

أما المرحلة الثانية، فتشمل إرسال العينات إلى المختبرات المركزية لإجراء فحوصات دقيقة للكشف عن البكتيريا والفيروسات والطفيليات والسموم، بالتوازي مع كشف شامل على المطاعم والأسواق المعنية. يضيف عباس: “نركز على النظافة العامة وصحة العاملين وصلاحية المواد الغذائية ونظافة الأدوات والمياه المستخدمة”.

المرحلة الثالثة تعتمد على نتائج الفحوص المختبرية، والتي تُحدد مصدر التسمم وسببه، ليتم بناءً عليها اتخاذ إجراءات قانونية بموجب قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981. هذه الإجراءات قد تتضمن فرض غرامات مالية، غلق المطاعم لفترات زمنية محددة، إتلاف المواد الفاسدة، أو مصادرة البضاعة الملوثة.

ويختم عباس بالقول: “المرحلة الرابعة تركز على الجانب الوقائي والتوعوي، عبر إلزام أصحاب المطاعم بإجراء الفحوص الطبية الدورية للعاملين وضمان مطابقة الممارسات للشروط الصحية، منعًا لتكرار الحوادث وحفاظًا على سلامة المستهلك”.

خلل بيئي ورقابي

من جانبها، ترى خبيرة التغذية نمارق حسام أن الظاهرة أخطر مما تبدو عليه في نشرات الأخبار اليومية. وتوضح قائلة: “ما نراه اليوم من تزايد حالات التسمم ليس أمرًا عابرًا، بل مؤشر على خلل متشابك بين عوامل صحية وبيئية ورقابية. أبرز الأسباب تكمن في ضعف تطبيق معايير السلامة الغذائية في المطاعم والأسواق، إضافة إلى سوء حفظ المواد الغذائية سواء بدرجات حرارة غير مناسبة أو بتعرضها للتلوث أثناء النقل والتخزين”.

وتضيف: “لا يمكن تجاهل العوامل البيئية، خصوصًا تلوث المياه المستعملة في إعداد الطعام أو غسل الخضروات والفواكه، وكذلك ضعف شبكات الصرف الصحي التي تفرز بكتيريا وفطريات تنتقل بسهولة إلى السلسلة الغذائية”.

وبحسب حسام، فإن المسؤولية في هذا الملف مشتركة: “التاجر وصاحب المطعم يتحملان المسؤولية الأولى عبر الالتزام بالنظافة والتخزين السليم. المواطن مطالب أيضًا بتجنب إهمال طرق الحفظ السليمة للأطعمة في المنزل”، مردفة: “لكن يبقى العبء الأكبر على عاتق الأجهزة الرقابية والصحية الحكومية، التي لم تُفعّل بعد آليات صارمة للمراقبة الدورية، ما سمح لبعض الأسواق والمطاعم بالعمل بلا رادع”.

وتحذر الخبيرة من أن “التسمم الغذائي ليس مشكلة صحية فردية فحسب، بل قضية تتعلق بالأمن الغذائي الوطني وبثقة المواطن في مؤسسات الدولة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });