بغداد / عراق اوبزيرفر
في أروقة المدارس العراقية، لا يُسمع سوى ضجيج الأجراس وصراخ الطلبة، لكن خلف هذا الصخب تختبئ حكايات صامتة لأطفال ومراهقين يحملون أوجاعًا أكبر من أعمارهم. فبين التنمّر، والعنف الأسري، وضغوط الفقر والاضطراب الاجتماعي، تتفاقم معاناة الطلبة في بيئة تعليمية تفتقد أهم عنصر للحماية النفسية والتربوية: شعبة الإرشاد النفسي.
اليوم، ومع تصاعد السلوكيات العدوانية والتسرب الدراسي، بات السؤال يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لمنظومة تعليمية أن تنشئ جيلاً متوازنًا وهي تُهمل صحته النفسية تمامًا؟
غياب خط الدفاع الأول
تقول الباحثة النفسية إنعام خليل في حديثها لـ”عراق أوبزيرفر”: “إن إعادة تفعيل شعب الإرشاد النفسي والتربوي داخل المدارس باتت ضرورة ملحّة، وليست مجرد خطوة إدارية، لأن غيابها ساهم في تفاقم العديد من المشكلات السلوكية والانفعالية بين الطلبة، التي لم تعد تُعالج إلا بعد أن تتطور إلى حالات عنف أو تسرب دراسي.”
خليل تشير إلى أن المدرسة اليوم لم تعد مجرد مكان للتلقين أو الحفظ، بل “فضاء نفسي واجتماعي يحتاج إلى رعاية متخصصة”، معتبرة أن المرشد النفسي هو صمام الأمان الحقيقي الذي يربط بين الطالب والمعلم والإدارة.
وتحذر من أن تأخير تشخيص الحالات النفسية أو تجاهلها في بداياتها قد يؤدي إلى “تحويل المدارس إلى بيئات خصبة للتوتر والعنف”، بدل أن تكون ميدانًا للتربية والتعلم.
وتضيف الباحثة بلهجة لا تخلو من القلق: “إن غياب هذه الشعب خلال السنوات الماضية جعل الكثير من الطلبة يفقدون الثقة بالمؤسسة التعليمية، لأنهم لا يجدون من يستمع إلى مشاكلهم أو يتفهم ظروفهم. ومع ارتفاع معدلات العنف المدرسي والضغوط الأسرية، أصبح وجود المرشد النفسي جزءًا من الأمن التربوي الوطني.”
جيل يبحث عمن يسمعه
من جانبها، ترى الباحثة الاجتماعية نضال الباوي أن ما يجري اليوم هو “إهمال ممنهج لصحة الطلبة النفسية”، مؤكدة أن غياب الإرشاد النفسي في المدارس يمثل ثغرة خطيرة في البنية التربوية.
وتقول في تصريحها لـ”عراق أوبزيرفر”: “فوجود المرشد النفسي لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة لحماية الأجيال من الاضطرابات التي تتفاقم نتيجة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وضعف البيئة المدرسية.”
وتوضح الباوي أن المعلم لا يستطيع بمفرده معالجة التحديات النفسية التي يواجهها الطلبة، لأن تلك المشكلات “تتطلب متخصصين يعرفون كيف يتعاملون مع المراهقة، الغضب، القلق، والاكتئاب”، مشددة على أن تجاهل هذا الجانب “يجعل المدرسة مكانًا للتعليم فقط، وليست فضاءً لبناء الشخصية المتوازنة”.
وتلفت إلى أن العراق اليوم يواجه جيلاً مثقلًا بالضغوط: من البطالة الأسرية، إلى التفكك العائلي، إلى التأثيرات السلبية لمواقع التواصل التي تصنع صورًا مثالية زائفة تُربك وعي المراهقين. كل ذلك — تقول الباوي — “يحتاج إلى شبكة دعم نفسي داخل المؤسسات التعليمية، تبدأ من الإصغاء وتنتهي بإعادة بناء الثقة بالنفس”.
بين الإهمال والإصلاح المؤجل
رغم إدراك وزارة التربية لأهمية وجود المرشدين النفسيين، فإن الواقع الميداني يكشف أن أغلب المدارس العراقية تخلو تمامًا من هذه الشعب، وبعضها يكتفي بتكليف معلم مادة للقيام بدور المرشد، في وقتٍ يحتاج فيه هذا العمل إلى تأهيل نفسي وتربوي عميق.
الخبراء يرون أن الأمر يتجاوز التوظيف، فهو يتعلق بثقافة مؤسساتية كاملة تعترف بأن الصحة النفسية جزء من جودة التعليم، وأن الوقاية النفسية لا تقل أهمية عن المناهج والكتب. لكن في ظل ضعف التمويل وازدحام الأولويات، يبقى ملف الإرشاد النفسي مؤجلًا على رفّ الإصلاحات، بينما يدفع الطلبة الثمن يوميًا في صمتٍ موجع.



