
بغداد/ عراق اوبزيرفر
يُعد حقل الدرة – آرش من أكثر الملفات الطاقوية حساسية في شمال الخليج العربي، نظراً لتداخل الأبعاد التاريخية والقانونية والجيوسياسية فيه. اكتُشف الحقل عام 1960، في مرحلة لم تكن فيها الحدود البحرية مرسّمة بشكل نهائي، كما أن أهمية الغاز الطبيعي آنذاك لم تكن تضاهي مكانته الحالية في معادلات الطاقة العالمية.
ويقع الحقل ضمن منطقة أعلنتها الكويت والمملكة العربية السعودية كمنطقة محايدة (PNZ) بمساحة تقارب 5,770 كيلومتراً مربعاً وحدود غير محددة.
ويستند الجدل التاريخي إلى معاهدة العقير المؤرخة في 2 كانون الأول 1922، التي حدّدت الحدود بين العراق وسلطنة نجد ومشيخة الكويت، ومنحت حكومتي نجد والكويت حقوقاً متساوية في بعض المناطق إلى حين إبرام ترتيبات لاحقة من قبل السلطات البريطانية آنذاك. ومع تطور مفهوم السيادة البحرية واتفاقيات قانون البحار، برزت الحاجة إلى ترسيمات دقيقة تحدد الحقوق في المناطق البحرية الغنية بالموارد.
وبحسب بعض التقديرات، فإن احتياطيات الحقل تصل إلى نحو 60 تريليون قدم مكعب من الغاز، منها ما بين 10 إلى 13 تريليون قدم مكعب قابلة للاستثمار اقتصادياً، إضافة إلى نحو 300 مليون برميل من النفط.
وتزداد أهمية هذه الأرقام في ظل التحولات في أسواق الطاقة العالمية، لاسيما بعد أزمات إمدادات الغاز في أوروبا، إذ يُنتج الحقل – وفق تقديرات – ما يقارب مليار قدم مكعب من الغاز يومياً، بينما يستهلك الاتحاد الأوروبي نحو 400 مليار قدم مكعب سنوياً، ما يعكس البعد الاستراتيجي لأي تطور يتعلق بالحقل.
وعلى مدى سنوات، ظل تطوير الحقول في المنطقة المطالب بها بين السعودية والكويت، والتي تحمل تسميات مختلفة لدى إيران والعراق، معلقاً بسبب الخلافات المتعلقة بتقاسم الإنتاج ومسارات خطوط الأنابيب.
ففي عام 2013 علّقت السعودية والكويت المحادثات بشأن تطوير حقل الدرة بسبب اختلافات حول تقاسم الغاز المنتج ومساراته، وتبع ذلك في 2014-2015 تعليق الإنتاج في الحقول النفطية المشتركة ومشروع غاز الدرة. غير أن الجانبين اتفقا في عام 2019 على استئناف الإنتاج في المنطقة المحايدة، وفي أواخر عام 2020 شكّلا فريقاً مشتركاً لإعداد خطة تطوير الحقل تقنياً وتجارياً.
وفي أحدث تحرك دبلوماسي دولي، أقدم العراق قانونياً عبر إيداع خرائط مجالاته البحرية لدى الأمم المتحدة استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
ووفق إخطار رسمي صادر عن الأمم المتحدة (المرجع M.Z.N.172.2026.LOS) والمؤرخ في 18 شباط 2026، فقد أودع العراق في 19 كانون الثاني و9 شباط 2026 قوائم بالإحداثيات الجغرافية مرفقة بخريطة إيضاحية، عملاً بالمادة 16 الفقرة 2، والمادة 75 الفقرة 2، والمادة 84 الفقرة 2 من الاتفاقية.
ويتعلق الإيداع بتحديد خطوط الأساس المستقيمة وخطوط الأساس المنطلقة من ارتفاعات الجزر، إضافة إلى قياس البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، مع اعتماد النظام الجيوديسي العالمي (WGS-84) مرجعاً للإحداثيات.
وقد حلّ هذا الإيداع محل إيداعات سابقة أعوام 2011 و2021.
كما أودع العراق رسمياً بتاريخ 3 كانون الأول 2025 خارطة المجالات البحرية العراقية لدى الأمم المتحدة، استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم (266) لسنة 2025، والذي أقر الخارطة المعدّة من قبل فريق فني وقانوني عراقي أجرى دراسات وقياسات هيدروغرافية لتحديد الإحداثيات وفق الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، مع التأكيد على احترام حقوق دول الإقليم وضمان حرية الملاحة وانسيابية الحركة.
وأكدت الحكومة العراقية التزامها بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالعلاقات مع الكويت، ومواصلة المسار الفني والقانوني لترسيم الحدود البحرية بعد العلامة 162، في إطار سعيها لإنهاء الملفات العالقة وبناء علاقات متوازنة مع دول الجوار.
إلى ذلك، أكد الخبير في شؤون الطاقة كوفند شيرواني أن الخرائط المودعة من قبل العراق لدى الأمم المتحدة بشأن ترسيم المياه الإقليمية تشير بوضوح إلى أن حقل الدرة يقع ضمن المياه الإقليمية العراقية، ما يمنح بغداد حق المطالبة به.
وأوضح شيرواني خلال حديثه لـ”عراق اوبزيرفر” أن موقع الحقل يُعد من المناطق المقاربة للحدود البحرية، إذ يقع بالقرب من المياه الإقليمية الكويتية وبمسافة أبعد من المياه السعودية، وفق ما تظهره الخرائط، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة مطالبات من الأطراف الثلاثة: العراق والسعودية والكويت، ولا سيما في حال ثبوت وجود كميات كبيرة من النفط والغاز في الحقل.
وأشار إلى أن مثل هذه النزاعات عادة ما تُحسم عبر اللجوء إلى المحاكم الدولية أو من خلال التوصل إلى حلول وسط، تتضمن الاستغلال المشترك للحقل من قبل الدول المعنية، عبر تكليف شركة أجنبية بعملية التطوير وتقاسم العوائد بينها.
وبيّن أن هذا الإجراء معمول به في العديد من الحقول النفطية والغازية الواقعة في المناطق الحدودية، والتي تُعد حقولاً مشتركة، لافتاً إلى أن الامتدادات الجيولوجية تحت سطح الأرض قد تتجاوز الحدود السياسية، حتى وإن كان موقع الحقل الظاهري ضمن مياه دولة معينة.
وختم شيرواني بالقول إن إقرار الترسيمات البحرية بالشكل المودع يمنح العراق أفضلية قانونية مقارنة ببقية الدول المطالبة بالحقل، مع التأكيد على أهمية التوصل إلى اتفاق يضمن حقوق جميع الأطراف.







