تحليلاتخاصرمضانيات

حملات القبض على المفطرين برمضان.. لماذا ازدادت هذا العام في العراق ؟

بغداد/ عراق أوبزيرفر

مع الأيام الأولى من شهر رمضان، لم تقتصر التحولات على مواعيد الدوام وإيقاع الشوارع، بل امتدت إلى الفضاء العام، حيث أعادت حملات المتابعة الأمنية للمجاهرين بالإفطار طرح أسئلة قديمة متجددة عن السند القانوني وحدود الحريات، في ظل تسجيل حالات توقيف وإغلاق مطاعم ومحال بدعوى مخالفة التعليمات الصادرة خلال الشهر.

وفي البصرة، أعلنت الشرطة اعتقال 50 شخصاً بتهمة المجاهرة بالإفطار في مناطق متفرقة من مركز المحافظة، إلى جانب إغلاق خمسة مطاعم لبيعها الطعام نهاراً، في إطار توجيهات بمتابعة الأسواق والشوارع خلال ساعات الصيام.

وفي محافظة النجف، أكدت قيادة الشرطة ضبط عدد من الأشخاص لجهرهم بالإفطار في الأماكن العامة وإحالتهم إلى الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وتستند هذه الإجراءات، وفق القراءة القانونية المتداولة، إلى المادة 240 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، والتي تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بالغرامة كل من خالف أمراً صادراً من جهة رسمية مختصة ضمن حدود صلاحياتها. ويجري تكييف “الإفطار العلني” بوصفه مخالفة لأوامر إدارية نافذة خلال شهر رمضان، لا باعتباره جريمة منصوصاً عليها صراحة في القانون.

 

وفتح هذا التكييف نقاشاً أوسع حول طبيعة الأوامر الإدارية وحدودها، ومدى انسجامها مع القاعدة الدستورية التي تقرر أن “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، فضلاً عن الضمانات المتعلقة بحرية الفكر والضمير والمعتقد، ومنع الإكراه الديني، ومبدأ المساواة أمام القانون.

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بصور متداولة لموقوفين في النجف، حتى وإن كانت ملتقطة من الخلف أو من دون إظهار الوجوه بوضوح، ما أثار بدوره نقاشاً حول مشروعية نشر صور أشخاص قبل صدور أحكام قضائية بحقهم، وحدود المساس بالخصوصية في سياق إجراءات ما تزال في طور التحقيق.

 

وفي بلد يتسم بتعدد ديني ومذهبي، يثير تطبيق إجراءات عامة بحق المجاهرين بالإفطار تساؤلات بشأن وضع غير المسلمين أو غير المكلّفين شرعاً بالصوم، إذ قد يجد بعضهم أنفسهم عرضة للتوقيف لمجرد الاشتباه، قبل أن يُطلب منهم لاحقاً إثبات عذرهم أو انتمائهم الديني، وهو ما يضع الأفراد في موقع دفاعي لإثبات حق يفترض أنه مكفول ابتداءً.

في المقابل، يرى مؤيدو الإجراءات أن حماية النظام العام واحترام حرمة الشهر يبرران إصدار أوامر تنظيمية خلال ساعات النهار، على أن يبقى تطبيقها ضمن حدود الاختصاص القانوني، وتحت رقابة القضاء.

 

حرمة الشهر

بدوره أكد الخبير القانوني علي التميمي أن “المنع من الإجهار بالإفطار في شهر رمضان يندرج ضمن احترام حرمة الشهر وحماية مشاعر الصائمين، ويشمل المنع ساعات النهار سواء بالنسبة للأفراد أو المطاعم أو الباعة المتجولين”.

وأوضح التميمي في تصريح لـ”عراق أوزبيرفر” أن “التكييف القانوني لهذه الأفعال يستند إلى المادة 240 من قانون العقوبات، والتي تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بالغرامة التي تتراوح – بعد تعديل قانون الغرامات – بين 200 ألف ومليون دينار، مع إحالة القضايا إلى محكمة الجنح حتى في حال إطلاق السراح بكفالة”.

وأضاف أن “إطلاق السراح بكفالة لا يعني انتهاء الدعوى، بل تبقى قائمة إلى حين حسمها قضائياً، باعتبار أن المخالفة تتعلق بأمر إداري نافذ صادر عن جهة مختصة خلال شهر رمضان”.

وفي كل عام يتجدد الجدل بين مقتضيات حماية النظام العام وصون الحقوق الفردية، فيما يبقى الفصل النهائي بيد القضاء لتحديد مدى انطباق النصوص القانونية على الوقائع، وترسيم الحدود الدقيقة بين التنظيم الإداري والقيود الدستورية على الحريات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });