
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم يعد العراقيون يقفون عند حدود التفرج على مظاهر الفساد في مؤسسات الدولة، بل باتوا يلجؤون إلى أداة جديدة تتمثل في توثيق حالات الرشوة والتجاوزات بالصوت والصورة، ومشاركتها على منصات التواصل الاجتماعي.
وهذا السلوك الشعبي الذي أخذ يتسع مؤخرًا تحوّل إلى وسيلة ضغط حقيقية، أجبرت العديد من الدوائر الرسمية على التحرك السريع وفتح تحقيقات لم تكن لتحدث لولا الضجة التي تثيرها تلك المقاطع.
وخلال الأيام الماضية، انتشرت تسجيلات لموظفين في دوائر المرور وهم يتقاضون رشاوى علنًا، ما أثار ردود فعل غاضبة دفعت وزارة الداخلية للتحرك العاجل ومحاسبة المتورطين، وهذه الواقعة وأمثالها تعكس – وفق مراقبين – جانبًا من التحول في وعي المجتمع، حيث لم يعد المواطن مجرد متلقٍ أو ضحية، بل أصبح شريكًا في الرقابة وكاشفًا للانتهاكات التي تهدد المال العام.
وأعلنت وزارة الداخلية العراقية، الاثنين الماضي، صدور أحكام قضائية بحق عدد من منتسبي شرطة المرور، على خلفية مقطع فيديو متداول أظهر عناصر دورية وهم يتلقون رشوة عبارة عن “صندوق عصير” من إحدى مركبات الحمل.
وأظهر مقطع مصوَّر الدورية وهي توقِف إحدى مركبات الحمل الكبيرة بانتظار صندوق عصير يجلبه السائق المخالف، مقابل إعادة أوراقه الثبوتية التي كانت بحوزة المنتسبين.
وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالمشهد، لتتوالى المطالبات بمحاسبة عناصر المرور ومنع تكرار مثل هذه التصرفات التي اعتبرها ناشطون “مسيئة لسمعة الجهاز الأمني”.
وجاءت هذه الواقعة بعد يوم واحد فقط من حادثة مماثلة، حين التقط مقطع فيديو آخر لشرطي مرور وهو يتسلم رشوة نقدية مباشرة من أحد السائقين؛ ما دفع وزارة الداخلية إلى فتح تحقيق عاجل في الحادثة ومعاقبة الشرطي بالحبس سنتين وطرده من الخدمة نهائيًّا.
ويرى مختصون أن التوثيق الشعبي للفساد يمثل ظاهرة صاعدة ذات أثر مزدوج؛ فمن جهة يكشف عن تراجع الثقة بقدرة الأجهزة الرقابية الرسمية على أداء دورها التقليدي، ومن جهة أخرى يكرّس ثقافة المشاركة الشعبية في حماية المال العام.
بدوره أكد المحلل السياسي أحمد المياحي لـ”عراق أوبزيرفر” أن هذه الممارسات باتت “وسيلة ضغط أخلاقي وإعلامي لا يمكن للسلطات تجاهلها”، موضحًا أن “انتشارها يعكس فقدانًا للثقة بالأجهزة الرقابية الرسمية، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى ارتفاع منسوب الوعي الشعبي بأهمية المشاركة في مكافحة الفساد”.
ويضيف المياحي أن هذا التحول يكشف عن “فشل الدولة في فرض الردع المؤسسي بشكل فعال، لكنه يعكس أيضًا اتساع دور المجتمع المدني غير المنظم في كشف الفساد”، معتبرًا أن “استمرار هذه الممارسات قد يدفع السلطات مستقبلاً إلى تطوير أدواتها وتعزيز الشفافية لتجنب الحرج أمام الرأي العام”.
وبحسب مؤشر الشفافية الدولية لعام 2024، يحتل العراق المرتبة 140 عالميًا والثامنة عربيًا بين الدول الأكثر فسادًا، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة في هذا الملف. ومع ذلك، فإن دخول المجتمع كشريك مباشر في الرقابة قد يشكّل خطوة مختلفة، تضيف بعدًا شعبيًا إلى معركة مكافحة الفساد التي ظلت لعقود حبيسة الأدراج الرسمية.
وفي ظل هذا التحول، يبرز مطلب ملحّ بتشريع قانون واضح يحمي المبلّغين عن الفساد، سواء عبر التوثيق بالصوت والصورة أو عبر وسائل أخرى، ما سيمنح المواطنين الثقة في أن دورهم الرقابي لن يعرّضهم للملاحقة أو الانتقام، بل سيجعل من مشاركتهم جزءًا أصيلاً من منظومة محاربة الفساد.




