
بغداد/ عراق اوبزيرفر
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي في العراق مجرد منصات لتبادل الآراء أو صناعة النقاشات العامة، بل تحولت تدريجياً إلى مساحة قادرة على التأثير في المزاج الشعبي، وإعادة تشكيل صورة الأحداث، وفتح ملفات تتجاوز حدود الشاشة إلى المؤسسات الرسمية والقضائية. ومع تصاعد الحملات الرقمية وتبادل الاتهامات والتصنيفات السياسية والاجتماعية، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: أين ينتهي حق التعبير، وأين تبدأ مسؤولية الكلمة أمام القانون؟
وفي هذا السياق، أكد عضو تجمع شباب تشرين د. صلاح السويدي أن انتقال قضية ما عُرف بتعبير “التشارنة أولاد السفارة” من مواقع التواصل الاجتماعي إلى القضاء يمثل مؤشراً على دخول الفضاء الرقمي مرحلة مختلفة في علاقته بالمؤسسات التقليدية، ولا سيما القضاء، داعياً إلى التعامل مع المحتوى المتداول باعتباره مادة تحتاج إلى التحقق والتدقيق قبل أن تتحول إلى أساس لاتخاذ مواقف أو قرارات.
ويقول السويدي خلال حديثه لـ وكالة عراق أوبزيرفر إن “هذا الطرح يضع العراق أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فانتشار منشور أو مقطع فيديو وتحوله إلى “ترند” لا يعني بالضرورة أنه يعكس رأياً عاماً حقيقياً، في ظل إمكانية توظيف الحسابات الوهمية والجيوش الإلكترونية والمزارع الرقمية والهجمات السيبرانية لصناعة موجات إعلامية قد تبدو شعبية في ظاهرها، بينما تقف خلفها مصالح أو جهات منظمة”.
وأضاف إن “نسبة كبيرة من المحتوى المتداول في بعض الملفات الساخنة قد تكون مدفوعة أو موجّهة، ما يجعل التحقق من مصدر المعلومة وسياقها ودرجة مصداقيتها ضرورة لا يمكن تجاوزها، تماماً كما تُفحص المعلومات الواردة إلى المؤسسات الأمنية قبل اعتمادها”، مضيفا “لكن القضية لا تتوقف عند حدود التحقق من المعلومات، بل تمتد إلى طبيعة الخطاب الذي يُنتج داخل الفضاء الرقمي، خصوصاً عندما تتحول الخلافات السياسية إلى توصيفات تمس جماعات اجتماعية أو شبابية بأكملها”.
ويتابع أن “تحميل الاحتجاجات أو الحركات الشبابية توصيفات عامة يمكن أن يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب، مشيراً إلى أن شريحة من شباب احتجاجات تشرين خرجت، بحسب توصيفه، للمطالبة بالدولة والحقوق والكرامة ورفع العلم العراقي، وأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب يضع العراقيين في خنادق متقابلة، فمن هنا تبرز الحاجة إلى معادلة دقيقة: كيف يمكن ضبط الفضاء الرقمي من دون تحويل الرقابة إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير؟
ويواصل “فالرقابة، إذا تحولت إلى حجب واسع أو عقوبات غير منضبطة، قد تنتج مشكلة جديدة تتمثل في التضييق على الرأي المختلف، بينما يؤدي غياب أي آليات للمساءلة إلى ترك المجال مفتوحاً أمام التشهير وخطاب الكراهية والتحريض والابتزاز وترويج المحتوى غير القانوني”.
ويذهب السويدي إلى أن “العراق بحاجة إلى آليات مؤسساتية أكثر تطوراً لمتابعة ما يجري على منصات التواصل، مقترحاً وجود تنسيق بين المؤسسات القضائية والجهات المعنية بالإعلام والاتصالات والأجهزة المختصة، للتعامل مع المحتوى الذي يتجاوز حدود التعبير إلى التحريض أو التشهير أو الترويج للجريمة والعنف والمخدرات والسلاح غير أن التحدي الأكبر يكمن في أن الفضاء الرقمي لم يعد محلياً بالكامل، فالتأثير على الرأي العام العراقي يمكن أن يأتي من خارج الحدود، عبر حسابات وشبكات ومؤسسات وأطراف إقليمية ودولية تمتلك القدرة على إنتاج محتوى واسع الانتشار والتأثير في اتجاهات الجمهور”.
ولفت الى ان ” الحالة المرتبطة بعبارة “التشارنة أولاد السفارة”، وانتقال النقاش من فضاء التواصل إلى ساحات القضاء يعكس جانباً جديداً من العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أوسع من القضية نفسها: هل أصبح القضاء هو المساحة التي يلجأ إليها المتخاصمون بعد عجزهم عن حسم خلافاتهم داخل الفضاء الرقمي؟ الإجابة لا تبدو بسيطة لأن الديمقراطية الرقمية تحتاج إلى حماية مزدوجة حماية حق المواطن في التعبير وحماية المجتمع من خطاب يتحول إلى تشهير أو تحريض أو كراهية”.
ويؤكد السويدي في ختام طرحه أن “العراقيين بمختلف انتماءاتهم يجب ألا يتحولوا إلى أدوات في معارك إلكترونية تُدار بمنطق التخوين والتصنيف، رافضاً الإساءات المتبادلة التي قد تدفع المجتمع نحو الانقسام، ومعبراً عن اعتزازه بالانتماء الوطني ورفع راية العراق، فمع اتساع تأثير منصات التواصل، يصبح المطلوب ليس إسكات الفضاء الرقمي، بل بناء قواعد واضحة تحميه من التحول إلى ساحة للفوضى، وتحمي المجتمع في الوقت ذاته من أن يصبح “الترند” بديلاً عن الحقيقة، أو أن تتحول الاتهامات الرقمية إلى أحكام اجتماعية تسبق حكم القانون”.
هذا وتعد خطوة انتقال قضية “التشارنة أولاد السفارة” إلى أروقة القضاء يعكس لحظة فارقة في العلاقة بين المجتمع والفضاء الرقمي. هذه الخطوة تؤكد أن مواجهة الإساءة والتشهير لا تُترك لمواقع التواصل وحدها، بل تُحسم في ساحات العدالة، لتكون رسالة واضحة بأن الكلمة مسؤولية، وأن القانون هو الفيصل في حماية كرامة المواطنين وصون وحدة المجتمع.




