
بغداد / عراق اوبزيرفر
عاد ملف اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله إلى صدارة المشهدين القانوني والسياسي بالعراق في ظل تقاطع معقد بين أحكام الدستور وقرارات القضاء الدستوري والالتزامات الدولية الناشئة عن قرارات مجلس الأمن الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
ويأتي ذلك بالتوازي مع خطوات عراقية لتعزيز مركزه القانوني عبر إيداع إحداثيات مناطقه البحرية وخطوط الأساس لدى الأمم المتحدة في ظل استمرار الجدل بشأن الامتداد البحري لما بعد العلامة 162.
وفي هذا الصدد، أكد الباحث القانوني علي التميمي أن “قرار المحكمة الاتحادية العليا القاضي بعدم دستورية قانون التصديق على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله أعاد الملف إلى مجلس النواب”، موضحاً أن “الاتفاقية تتعلق بتنظيم الملاحة ولا تمس بترسيم الحدود الدولية بين العراق والكويت”.
وذكر التميمي لـ”عراق اوبزيرفر”، أن “قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم 105 وموحدتها 194 لسنة 2023، قضى بإلغاء القانون رقم 42 لسنة 2013 الخاص بالتصديق على اتفاقية خور عبدالله، استناداً إلى المادة 61/رابعاً من الدستور العراقي التي تشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عند تشريع قوانين المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وليس بالأغلبية البسيطة”.
وبين أن “الكرة باتت في ملعب مجلس النواب، فإذا ما تم التصويت على الاتفاقية بأغلبية الثلثين فإنها تمضي وفق الأطر الدستورية، أما في حال عدم تحقق النصاب المطلوب، فإن ذلك يعد بمثابة إلغاء من جانب واحد، استناداً إلى المادة 16 من اتفاقية عام 2012 التي تنص على دخولها حيّز النفاذ بعد المصادقة عليها وفق الإجراءات التشريعية والدستورية في البلدين”.
وأشار التميمي إلى أنه “في حال رفض البرلمان المصادقة، يمكن اللجوء إلى آليات تسوية النزاعات المنصوص عليها في المادة 14 من الاتفاقية، والتي تبدأ بالتسوية الودية، وفي حال تعذرها يُحال النزاع إلى المحكمة الدولية لقانون البحار المنشأة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تتألف من 21 قاضياً منتخبين لمدة تسع سنوات، وتختص بالنظر في النزاعات البحرية”.
وأكد أن “اتفاقية خور عبدالله لعام 2012 بين العراق والكويت تُعنى بتنظيم الملاحة البحرية المشتركة، ولا علاقة لها بترسيم الحدود الذي تم بموجب قراري مجلس الأمن الدولي رقم 687 لسنة 1991 و833 لسنة 1993، واللذين حددا الحدود الدولية بين البلدين، وصادق العراق عليهما بالقانون رقم 200 لسنة 1994”.
وشدد التميمي على أن قرار المحكمة الاتحادية لم يُلغِ الحدود الدولية ولم يمسّ بترسيم خور عبدالله، لأن ذلك يتعارض مع المادة 8 من الدستور العراقي التي تلزم الدولة باحترام التزاماتها الدولية ومبادئ الشرعية الدولية.
وفي ما يتعلق بإمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لإعادة النظر في ترسيم الحدود، أوضح التميمي أن ذلك ممكن من الناحية القانونية، على اعتبار أن قرارات مجلس الأمن صدرت – بحسب رأيه – في ظروف ضغط وإكراه، وهو ما يمكن الطعن فيه استناداً إلى قواعد القانون الدولي، لاسيما اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.
وأضاف أن محكمة العدل الدولية تختص بالنظر في النزاعات الحدودية البرية والبحرية وفق المادة 36 من نظامها الأساسي.
وختم بالإشارة إلى أن إيداع العراق الخرائط الحدودية لدى الأمم المتحدة يعزز مركزه القانوني، ويجعل عبء الإثبات يقع على الطرف الآخر في حال نشوء نزاع سواء عبر المفاوضات المباشرة أو أمام الجهات القضائية الدولية المختصة.
وأودعت وزارة الخارجية قوائم إحداثيات خط الأساس للبحر الإقليمي العراقي والمناطق البحرية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982.
وجرى الإيداع بتاريخي 19 كانون الثاني و9 شباط 2026 لدى الأمين العام للأمم المتحدة، ويشمل قوائم بالإحداثيات الجغرافية لنقاط محددة مرفقة بخريطة توضيحية، عملاً بالفقرة (2) من المادة (16)، والفقرة (2) من المادة (75)، والفقرة (2) من المادة (84) من الاتفاقية.
وبينت الوزارة أن الإيداع يتضمن تحديد خطوط الأساس المستقيمة، وخطوط الأساس المستندة إلى أدنى الجزر لقياس عرض البحر الإقليمي، فضلاً عن تحديد حدود البحر الإقليمي، والمنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والجرف القاري لجمهورية العراق، وذلك وفق النظام الجيوديسي العالمي لعام 1984 (WGS-84) المعتمد دولياً.
واكدت وزارة الخارجية أن هذا الإيداع يحل محل الإيداعات السابقة المؤرخة في 7 كانون الأول 2021 و15 نيسان 2011، ويأتي في إطار تحديث البيانات البحرية العراقية بما ينسجم مع أحكام القانون الدولي، ويعزز الوضوح القانوني لحدود المناطق البحرية الخاضعة لسيادة العراق وحقوقه السيادية.
كما اشارت الوزارة إلى أن قوائم الإحداثيات والخريطة التوضيحية قد نُشرت على الموقع الرسمي لشعبة شؤون المحيطات وقانون البحار التابعة لمكتب الشؤون القانونية في الأمم المتحدة، بما يتيح الاطلاع عليها من قبل الدول الأعضاء والجهات المعنية.
وتُعَدّ اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، المُبرَمة في العام 2012 بين العراق والكويت، معالجة فنية وإدارية لآثار غزو نظام صدام حسين للكويت عام 1990 وما ترتب عليها من ترسيم الحدود بموجب قرار مجلس الأمن رقم (833) لسنة 1993، إذ أكّدت مادتها السادسة أن الاتفاقية “لا تؤثر على الحدود بين الطرفين في خور عبد الله المقررة بموجب قرار مجلس الأمن رقم (833) لسنة 1993”.
وصادق مجلس الوزراء العراقي على مشروع قانون التصديق في نهاية العام 2012، وأقرّه مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بموجب القانون رقم (42) لسنة 2013، ثم نُشر في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4299) بتاريخ 2013/11/25.
وأصدرت المحكمة الاتحادية، قرارها المرقم (21/اتحادية/2014) بتاريخ 2014/12/18، فميّزت بين قانون تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات، الذي يتطلّب أغلبية الثلثين بموجب المادة (61/رابعًا) من الدستور، وبين قانون التصديق على اتفاقية معيّنة، الذي يُقر بالأغلبية البسيطة وفقًا للمادة (59/ثانيًا).
وتصاعد التوتر الدبلوماسي بين العراق والكويت خلال الفترة الماضية، على خلفية ملف ترسيم الحدود البحرية لما بعد العلامة 162، وهو الامتداد البحري الذي لم يُستكمل ترسيمه بين البلدين منذ صدور قرار مجلس الأمن 833 في العام 1993.




