
بغداد/ عراق أوبزيرفر
بعد سنوات طويلة من التحذيرات والمناشدات، دخل العراق رسميًا مرحلة ندرة المياه، وفق ما أعلنته وزارة الزراعة مؤخرًا، مشيرةً إلى أن انخفاض الخزين المائي إلى مستويات غير مسبوقة، واستمرار الجفاف، وتراجع الإطلاقات من دول الجوار، كل ذلك يُنذر بخطر داهم على الأمن الغذائي والمعيشي في البلاد.
هذه المرحلة، كما تصفها الوزارة، تمثل انتقالًا من “شح المياه” إلى أزمة وجودية حقيقية، تهدد الزراعة، وتزيد من احتمالات النزوح، وتعمّق الهشاشة الاقتصادية في بلدٍ يعتمد على نهرين رئيسيين أصبحت مواردهما المتدفقة “تحت رحمة” اتفاقات لم تُحسم، وواقع بيئي يزداد سوءًا.
ووفق بيان الوزارة، فإن الخطة الزراعية الشتوية المقبلة مهددة بالتقليص، خصوصًا زراعة محاصيل أساسية مثل الحنطة والشعير، بينما يُطلب من الفلاحين الالتزام بأنظمة ري حديثة ومحدودة، للحفاظ على الموارد المتبقية، في ظل اعتماد بعض الزراعات الأخرى كالخضروات على تقنيات الري بالتنقيط لتقليل الهدر.
وتزامن ذلك مع تحذير أصدره مرصد “العراق الأخضر”، من أن شهر آب الجاري سيكون الأخير في سلسلة الإطلاقات التركية المخصصة للعراق عبر نهر دجلة، متوقعًا توقف تدفق المياه بدءًا من أيلول المقبل، ولفت المرصد إلى أن غياب التنسيق من قبل السلطات العراقية وفشلها في التفاوض بملف المياه مع تركيا وإيران، أدى إلى نتائج “كارثية” تتمثل في الوصول إلى أدنى مستوى خزين مائي في تاريخ العراق الحديث.
العراق فقد ثلث احتياجاته المائية
من جهته، أكد الخبير في شؤون البيئة والمياه، إبراهيم السوداني، أن “العراق دخل رسميًا مرحلة ندرة المياه الخطرة، إذ أن الكميات المتوفرة حاليًا لا تتجاوز 55 مليار متر مكعب سنويًا، في حين أن الحاجة الفعلية تتجاوز 70 مليارًا، ما يعني أن البلاد تواجه عجزًا يقارب الثلث في احتياجاتها المائية”.
وقال لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “هذه الفجوة المائية المتزايدة تنعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي، والزراعة، والصحة العامة، كما تسهم في تصاعد النزوح من الأرياف إلى المدن، نتيجة انحسار الأراضي الصالحة للزراعة وغياب المياه الصالحة للشرب والاستخدامات اليومية”.
وأوضح أن “الأزمة لا تقتصر على تراجع الإطلاقات المائية من دول الجوار، بل تتفاقم بسبب تجاوزات داخلية واسعة، منها مزارع الأسماك غير المرخصة، والاعتداءات على مجاري الأنهار، وسوء إدارة المياه داخل البلاد”. مضيفاً أن “انخفاض الخزين المائي في السدود الكبرى كالموصل وحديثة وصل إلى مستويات مقلقة” داعيًا إلى “اعتماد حلول استراتيجية تشمل تحلية مياه البحر، وتفعيل الحصاد المائي، وتقليل الفاقد من شبكات الري”.
تجاوزات داخلية وفشل خارجي
من جانبه، قال خالد شمال، مدير عام دائرة مشاريع الري في وزارة الموارد المائية، إن “الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات طويلة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة، قلة الأمطار، وتراجع الإطلاقات من دول المنبع، إضافة إلى استهلاك داخلي غير منظم وتجاوزات مستمرة على مصادر المياه”.
وأوضح شمال في تصريحات صحفية، أن “الحكومة تتحرك على مسارين؛ الأول داخلي، يشمل تقنين الاستخدامات وتنفيذ مشاريع للري الحديث، والثاني خارجي، من خلال الحوار مع تركيا وإيران وسوريا للوصول إلى تفاهمات تضمن حصة مائية ثابتة وعادلة للعراق”.




