
بغداد / عراق اوبزيرفر
مع أولى دقائق يوم الجمعة الثالث من تشرين الأول، تحولت شوارع بغداد وعدد من المحافظات إلى ساحة سباق محموم بين المرشحين للانتخابات التشريعية المقررة في 11 تشرين الثاني 2025. فالمشهد بدا وكأن كل متر في الجزر الوسطية وعلى أعمدة الإنارة وعلى جدران الأبنية هو غنيمة انتخابية يتنافس عليها آلاف المرشحين الذين بدأوا حملاتهم الدعائية لحظة انطلاق التوقيت الرسمي الذي حددته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
ازدحام لافتات وصراع على “المكان”
منذ منتصف الليل، انطلقت العشرات من العجلات المحملة بلافتات وصور المرشحين إلى الشوارع الرئيسية، في مشهد وصفه شهود عيان بأنه أقرب إلى سباق جماعي منظم، حيث لم تمض خمس ساعات على بدء الحملات حتى كانت معظم الجزرات الوسطية والجدران المخصصة معلّقة بالكامل بلافتات المرشحين. ويؤكد مراقبون أن هذا السباق المحموم يعكس حجم المنافسة هذه الدورة، إذ ارتفع عدد المرشحين إلى أكثر من 7768 مرشحاً مقارنة بنحو 3227 مرشحاً فقط في انتخابات 2021، أي أن العدد تضاعف تقريباً مع مشاركة أوسع للنساء والأحزاب الصغيرة والمستقلين.
القانون يحاصر الدعاية.. والالتزام موضع شك
الخبير القانوني علي التميمي أوضح أن الدستور العراقي يكفل الدعاية الانتخابية، إلا أن قانون الانتخابات البرلمانية رقم 12 لسنة 2018 المعدل بالقانون رقم 4 لسنة 2023 رسم إطاراً زمنياً وإجرائياً صارماً لها.
وقال التميمي لـ”عراق اوبزيرفر”، إن المواد من 24 إلى 34 تفصّل بدقة الأحكام الخاصة بالدعاية، بدءاً من تحديد توقيت بدايتها وحتى توقفها قبل 24 ساعة من يوم الاقتراع.
وأضاف أن القانون شدد على ضوابط أساسية أبرزها:
• منع استغلال المؤسسات الحكومية لعقد الاجتماعات الانتخابية.
• حظر استخدام شعار الدولة أو نفوذ الموظفين العموميين في الترويج.
• تحريم الضغط على الناخبين أو تقديم مغريات مادية أو استغلال دور العبادة.
• تجريم تمزيق صور المرشحين أو وضع علامات مسيئة عليها.
وأكد التميمي أن القانون لم يكتف بتنظيم الدعاية بل أفرد المواد من 36 إلى 42 للجرائم الانتخابية، وحدد عقوبات رادعة تصل إلى الحبس لمدة عام واحد وغرامات تصل إلى 5 ملايين دينار على الأفراد، في حين قد تواجه الأحزاب المخالفة غرامات تصل إلى 25 مليون دينار.
عقوبات المفوضية: من نصف مليون حتى الاستبعاد
المفوضية العليا المستقلة للانتخابات دخلت على خط التحذير مبكراً. وقالت المتحدثة باسمها جمانة الغلاي، إن “العقوبات على المخالفات تبدأ من غرامة مقدارها 500 ألف دينار وقد تصل إلى 50 مليون دينار، بل إلى الحبس أو الاستبعاد من السباق الانتخابي بالكامل، بحسب جسامة المخالفة”.
وأضافت أن المفوضية وضعت سقوفاً محددة للإنفاق الانتخابي في محاولة لكبح جماح “المال السياسي”، الذي كان أبرز ملاحظات تقارير المراقبين الدوليين في انتخابات سابقة، حيث وُجهت اتهامات لأحزاب كبيرة باستغلال موارد الدولة وأموالها للتأثير على الناخبين.
المال السياسي حاضر بقوة منذ اليوم الأول
رغم التحذيرات، رُصدت أموال طائلة تُضخ في الحملات منذ الساعات الأولى. فالإعلانات الضخمة اجتاحت الشوارع الرئيسية، فيما شهد الفضاء الرقمي فيسبوك وتيك توك ويوتيوب إعلانات ممولة بكثافة غير مسبوقة. وبحسب مراقبين، فإن بعض الحملات “أطلقت كل ما في جعبتها” منذ البداية، في مؤشر على أن المال سيكون عاملاً حاسماً في هذه الانتخابات، خصوصاً مع هذا العدد الهائل من المرشحين.
منافسة شرسة بأبعاد جديدة
يقول محللون إن المشهد الانتخابي هذه المرة مختلف عن كل الدورات السابقة. فإلى جانب تضاعف عدد المرشحين، فإن المنافسة لم تعد تقتصر على اللافتات التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني حيث تدور حرب دعائية شرسة على مواقع التواصل الاجتماعي. ويشير المراقبون إلى أن بعض المرشحين لجأوا إلى فرق تسويقية متخصصة لإدارة حملاتهم على الإنترنت، مستفيدين من تجارب الانتخابات السابقة التي أظهرت التأثير الكبير للمنصات الرقمية على توجهات الناخبين الشباب.
جوهر الدعاية: برامج أم صور؟
الخبير التميمي شدد على أن الدعاية الانتخابية في جوهرها يجب أن تكون عرضاً لبرامج وأفكار تهدف إلى كسب ثقة الناخبين، لا مجرد صور ضخمة وشعارات فضفاضة. لكنه اعترف بأن المشهد على الأرض لا يعكس ذلك، إذ تحولت الحملات إلى منافسة على “الأكبر حجماً والأكثر انتشاراً”، فيما بقي مضمون البرامج بعيداً عن اهتمام معظم المرشحين في يومها الأول.
سباق طويل ومراقبة مشددة
مع انطلاق الحملات رسمياً، فإن المدة القانونية المتاحة أمام المرشحين تصل إلى أكثر من خمسة أسابيع تنتهي قبل يوم الاقتراع بـ24 ساعة. وخلال هذه الفترة، سيكون على المفوضية أن تراقب آلاف الحملات وتوثّق المخالفات وسط توقعات بارتفاع شكاوى المرشحين ضد بعضهم البعض، خصوصاً مع ضيق المساحات وتضخم عدد المنافسين.
الانطلاقة القوية للحملات الانتخابية تعكس أن هذه الانتخابات ستكون الأكثر سخونة منذ 2003، ليس فقط بسبب العدد القياسي للمرشحين، بل أيضاً بسبب القيود القانونية المشددة من جهة، وحضور المال السياسي من جهة أخرى. وبينما تتسابق الحملات على السيطرة على الشوارع والفضاء الرقمي، يبقى الرهان الأكبر على وعي الناخب العراقي وقدرته على التمييز بين صورة كبيرة بلا برنامج، وبين خطاب انتخابي حقيقي يضع حلولاً لمشاكل البلد المتراكمة.




