
بغداد/ عراق اوبزيرفر
في خطوة وُصفت بالجريئة وغير المسبوقة، دعا الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إلى تشكيل تحالف دولي أو “جيش عالمي” من أجل تحرير فلسطين، مؤكداً أن بيانات الشجب والتنديد لم تعد كافية في مواجهة الجرائم التي ترتكبها “إسرائيل” بحق الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة الذي يعيش واحدة من أعنف موجات الإبادة والدمار. هذه الدعوة، التي حظيت باهتمام سياسي وقانوني واسع، فتحت الباب لنقاشات حول مدى قانونيتها وإمكانية تجسيدها في إطار دولي فعّال.
قوة عالمية بدلاً من بيانات التنديد
بيترو شدد في خطاباته الأخيرة على أن المجتمع الدولي يقف أمام لحظة حاسمة، حيث لم يعد ممكناً الاكتفاء ببيانات التنديد أو قرارات الإدانة غير الملزمة، فيما تستمر آلة الحرب “الإسرائيلية” بحصد الأرواح وتهجير السكان. وأوضح أن العديد من الدول أبدت استعدادها للانضمام إلى قوة عالمية يكون هدفها إنقاذ فلسطين من “الاحتلال والجرائم الممنهجة”، مضيفاً أن الخطوة لن تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل ستشمل أيضاً ملاحقة قادة “إسرائيل” المتهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وقال الرئيس الكولومبي بلهجة حاسمة: “إبراز القوة في وجه إسرائيل بات ضرورة، وتشكيل جيش عالمي لإنقاذ فلسطين لن يتحقق إلا بإرادة الدول التي تؤمن بحق الشعوب في الحرية والكرامة”. هذه التصريحات وضعت دعوته في إطار مواجهة مباشرة مع النظام الدولي التقليدي الذي طالما انحاز “لإسرائيل” عبر قرارات مجلس الأمن المعطلة بفعل “الفيتو” الأميركي.
معاهدة دولية على غرار الناتو وحلف بغداد
الباحث القانوني علي التميمي علّق في حديث لـ”عراق اوبزيرفر”، على هذه الدعوة مبيناً أن الطريق القانوني لتشكيل تحالف دولي مشروع يبدأ بعقد مؤتمر دولي تدعو إليه كولومبيا ويحضره ممثلو الدول الراغبة بالانضمام. ووفقاً للتميمي، فإن هذا المؤتمر يمكن أن يفضي إلى معاهدة دولية مشابهة من حيث الصياغة لما شهده العالم في “حلف الناتو” أو “حلف بغداد” عام 1955، بحيث تُفصّل في نصوصها جميع الالتزامات وآليات التعاون والدفاع المشترك.
ويرى التميمي أن استناد الدعوة إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة يجعلها منسجمة مع القانون الدولي، حيث تتيح هذه المادة حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي للدول في مواجهة أي عدوان خارجي. وبذلك، يمكن للتحالف الجديد أن يُصاغ ككيان قانوني دولي مفتوح أمام انضمام أي دولة ترغب في حماية الأمن والسلم العالميين.
فلسطين في صلب التحالف
من أبرز ما شدد عليه التميمي أن على هذه المعاهدة أن تمنح فلسطين العضوية الكاملة، باعتبارها القضية المحورية التي تقوم عليها فكرة التحالف. وهو ما يتقاطع مع رؤية الرئيس الكولومبي الذي وضع تحرير فلسطين في مقدمة أهداف القوة العالمية. ويرى التميمي أن إشراك فلسطين يضفي شرعية أخلاقية وقانونية إضافية على التحالف، ويمنحه بُعداً إنسانياً يعزز فرص قبوله في أوساط الشعوب.
وفي السياق نفسه، أوضح التميمي أن “إسرائيل لا يمكن النظر إليها كدولة شرعية كاملة العضوية في المجتمع الدولي”، مشيراً إلى أنها “نتاج تجميع قسري لشعب مشرّد” بقرارات فرضتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في حينه. ومن هنا، يرى أن الدعوة الكولومبية قد تمثل بداية إعادة التوازن في مواجهة الانفراد “الإسرائيلي ـ الأميركي” في القرارات الدولية.
نحو توازن دولي جديد
التميمي لفت إلى أن من أبرز أهداف هذا الحلف المرتقب هو كسر حالة الهيمنة التي تفرضها قوى كبرى على قرارات المجتمع الدولي، خصوصاً عبر استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. فبدلاً من أن يبقى مصير الشعوب مرتبطاً بقرار من خمس دول دائمة العضوية، يمكن لتحالف كهذا أن يفتح الباب أمام “تعددية قطبية” جديدة قائمة على التضامن بين الدول المتوسطة والنامية.
وأكد أن من بين البنود الأساسية التي يجب أن تتضمنها المعاهدة: استخدام القوة في الدفاع عن أي عضو يتعرض لعدوان، وتشكيل جيش موحّد بإدارة مشتركة، وتفاصيل واضحة تتعلق بالتدريب، التسليح، التمويل، وآليات القيادة. كل ذلك بما لا يتعارض مع المواد (39–51) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تحدد اختصاصات مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين.
بين الطموح والواقع
رغم قوة الطرح الذي قدمه الرئيس الكولومبي والدعم القانوني الذي أوضحه التميمي، يظل تشكيل مثل هذا الحلف مرتبطاً بإرادة الدول ومدى استعدادها لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية المترتبة عليه. فالتجارب السابقة تشير إلى أن بناء تحالفات عابرة للقارات يحتاج إلى توافقات عميقة ومصالح مشتركة، خصوصاً مع احتمال مواجهة ضغوط هائلة من الولايات المتحدة وحلفائها.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح الفكرة في هذا التوقيت يعكس تحوّلاً في الخطاب الدولي تجاه القضية الفلسطينية، حيث بدأت بعض الدول في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا ترفع سقف مواقفها من حدود الإدانة اللفظية إلى المطالبة بإجراءات عملية قد تغيّر موازين القوى على الأرض.




