
بغداد/ عراق أوبزيرفر
سلّط الحريق المروّع الذي شهدته مدينة الكوت فجر الخميس، وأسفر عن عشرات الضحايا، الضوء مجددًا على هشاشة منظومة السلامة في المباني العراقية، وتحديدًا في الأسواق والمراكز التجارية التي أصبحت بؤرًا جاهزة للانفجار عند أول شرارة.
وبينما تكررت المآسي خلال السنوات الأخيرة في مستشفيات ومجمعات وأسواق ومرافق عامة، ما زالت السلطات تتحدث عن خطط وقائية “نظرية”، فيما يُجمع متخصصون على أن الفساد، وسوء التخطيط، وغياب الرقابة هي الأسباب الحقيقية خلف تكرار الكارثة.
وفي تفاصيل الفاجعة الأخيرة، اندلع حريق ضخم داخل مول مكوّن من خمسة طوابق وسط الكوت، ما أدّى إلى مصرع أكثر من 60 شخصاً وإصابة العشرات، أغلبهم قضوا اختناقًا داخل الطوابق العليا.
وبحسب الدفاع المدني، فإن غياب ممرات الإخلاء، وضعف الاستجابة الأولية، وتعذّر وصول فرق الإنقاذ إلى أعلى البناية، فاقم من أعداد الضحايا.
لكن هذه ليست الحادثة الأولى من نوعها، إذ لا يكاد صيف أو شتاء يمرّان دون كارثة حريق في العراق.
ففي أيلول/سبتمبر 2023، أودت النيران في قاعة أعراس بمدينة الحمدانية بحياة أكثر من 100 شخص، بينهم أطفال ونساء، وفي تموز/يوليو 2021، التهم حريق هائل مستشفى الحسين في الناصرية، ما أسفر عن مقتل 92 شخصاً.
وقبلها بثلاثة أشهر، شبّ حريق آخر في مستشفى ابن الخطيب في بغداد، خلّف 82 قتيلاً وجميع هذه الحوادث تشترك في قاسم واحد، وهو “انعدام أبسط معايير السلامة”.
تساؤلات عن الرقابة
ويقول مختصون إن معظم الأبنية العراقية – لا سيما الخاصة بالتجمعات العامة – تُشيّد من دون دراسات إنشائية كافية، وغالبًا ما تُمرَّر عبر لجان فنية وهمية أو موظفين غير مؤهلين، فيما تُمنح إجازات السلامة والدفاع المدني مقابل مبالغ مالية.
في هذا السياق، قال الخبير في أمن وسلامة المباني عبدالسلام حسن إن “العراق يعيش حالة من الفوضى التنظيمية المزمنة في قطاع الأبنية، إذ لا توجد جهة رقابية واحدة فعالة تُلزم أصحاب المباني بشروط الإطفاء والإخلاء ومعدات الطوارئ”.
وأضاف لـ”عراق اوبزيرفر” أن “كل ما نراه من كوارث، هو نتائج مباشرة لتراخيص مشبوهة، وغياب الفحص الحقيقي، وشراء شهادات السلامة من بعض الموظفين المرتشين”.
وأوضح أن “الغالبية الساحقة من الأبنية الحديثة، وخاصة المجمعات والأسواق وقاعات المناسبات، غير مستوفية لأي اشتراط دولي للسلامة، ولا تحوي مخارج طوارئ مدروسة أو منظومات إطفاء فاعلة، بل مجرد طفايات بلا صيانة وديكور لا يصدّ النيران بل يغذيها”.
من جهتهم، يتهم نشطاء ومهندسون معماريون شُعب الدفاع المدني المسؤولة عن منح الموافقات بأنها أصبحت “مكاتب جباية غير رسمية”، تُمرر الأوراق مقابل رشى، وتغض الطرف عن المخالفات الواضحة في الأبنية.
وتشير وثائق سابقة إلى أن تقارير الدفاع المدني حول عدة حرائق كبيرة في الأعوام الماضية، حملت توصيات “غير ملزمة” ولم تُترجَم إلى إجراءات عقابية أو منع التكرار، ما جعل البيئة العراقية مهيأة دائمًا للانفجار.
وكانت وزارة الداخلية قد تعهدت عام 2022 بتطوير خطة وطنية لإدارة مخاطر الحريق، تشمل تدريب فرق محلية، ومراجعة شروط منح الرخص، وتحديث التشريعات.
لكن كل هذه الإجراءات لم تظهر نتائجها على الأرض، بحسب مراقبين، الذين يرون أن الحوادث تكشف خللاً هيكليًا في أجهزة الدولة، أكثر من كونها أخطاء فردية أو مفاجآت عرضية.



