
بغداد/ عراق أوبزيرفر
في لحظة مفصلية من تاريخ العراق المعاصر، و منذ اللحظة الأولى لتكليف رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي برئاسة الحكومة العراقية، بدأت المقارنات تتصاعد بينه وبين مهندس نهضة سنغافورا الراحل (لي كوان يو) الرجل الذي حوّل بلاده من جزيرة فقيرة محدودة الموارد إلى واحدة من أقوى الاقتصادات العالمية، يعد جواز سفرها اليوم في المرتبة الاولى عالمياً.
لكن ما جعل هذه المقارنات أكثر إثارة، (بحسب متابعة عراق أوبزيرفر للتحليلات والمقالات التي نُشرت في الأيام القليلة الماضية)لم يكن فقط منهاج الزيدي الاقتصادي الذي تضمنه منهاجه الوزاري الذي قدمه لمجلس النواب، بل أيضاً حجم الاهتمام والدعم الدولي السريع والقوي الذي رافق تكليفه، وفي مقدمته الترحيب الأميركي اللافت واتصال الرئيس الأميركي دونالد ترمب به، ومن ثم التحدث علناً بايجابية مفرطة في مناسبتين، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية.
من الفساد إلى “المعجزة السنغافورية”
عندما تسلم (لي كوان لي) السلطة في ستينيات القرن الماضي، كانت سنغافورا تواجه بطالة مرتفعة، ضعفاً اقتصادياً، انقسامات داخلية، ومخاوف من الانهيار.
لكن الرجل أطلق مشروعاً قائماً على محاربة الفساد، بناء مؤسسات صارمة، جذب الشركات العالمية، وتحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري عالمي.
وخلال عقود، أصبحت سنغافورا واحدة من أنجح التجارب الاقتصادية في العالم.
لماذا يُقارَن الزيدي به؟
يرى محللون أن الزيدي بما يمتلكه من قصة نجاح اقتصادية عراقية سابقة، يمتلك مقومات محاكاة التجربة السنغافورية عبر إصلاح النظام المالي، جذب الاستثمارات، تطوير البنية التحتية، وتقليل الاعتماد على النفط.
خلفيته الاقتصادية وعلاقاته الدولية الواسعة وما يمتلكه من قصة نجاح اقتصادية، عوامل دفعت البعض إلى الحديث عن إمكانية ظهور “نسخة عراقية” على الطريقة السنغافورية.
دعم دولي ورسائل أميركية
الاهتمام الدولي بالزيدي ظهر سريعاً بعد تكليفه، خصوصاً من واشنطن، حيث وصف مراقبون الاتصال الذي أجراه دونالد ترمب مع الزيدي ومعه عشرات من زعماء وقادة الدول العربية والإقليمية والغربية بأنه مؤشر على وجود رغبة أميركية بدعم حكومة تركز على الاقتصاد والاستقرار والاستثمار.
كما يرى متابعون أن العواصم الغربية والخليجية تنظر إلى العراق اليوم باعتباره فرصة اقتصادية ضخمة، في حال تمكن من: فرض الاستقرار، تقليل الفساد، وفتح بيئة استثمارية أكثر أماناً.
ويتحدث البعض عن أن الدعم الخارجي قد يمنح الزيدي مساحة أوسع للتحرك اقتصادياً، لكنه في الوقت نفسه قد يضعه أمام ضغوط وتوازنات إقليمية معقدة.
“سنغافورة العراق”.. الحلم الصعب
ورغم الحديث المتزايد عن “سنغافورة عراقية”، يؤكد خبراء أن الطريق أمام الزيدي لن يكون مفروشاً بالورود بسبب تعقيدات المشهد العراقي سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا، بل سيكون أكثر تعقيداً بكثير من تجربة لي كوان لي في سنغافورا.
فالعراق الذي يمتلك ثروات نفطية هائلة، موقعاً جغرافياً استراتيجياً وطاقات بشرية كبيرة، يواجه أيضاً: نظام محاصصة سياسي متجذر ، شبكات فساد قوية ،تداخلاً إقليمياً ودولياً، وأزمات خدمية مزمنة.
ويرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لن يكون في إطلاق مشاريع أو توقيع اتفاقيات، بل في قدرة الزيدي على مواجهة مراكز النفوذ التقليدية وفرض نموذج دولة مختلف.
الأحلام الوردية وحدها لا تكفي !
داخل الشارع العراقي، تبدو التوقعات مرتفعة بشكل غير مسبوق، خصوصاً بين الشباب الذين يبحثون عن فرص عمل، خدمات مستقرة، ومؤسسات تعمل بعيداً عن الفساد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل يستطيع الزيدي استثمار الدعم الدولي وما يمتلك من رؤية واضحة ومعرفة دقيقة بتفاصيل التفاصيل في الشأن العراقي الملتبس وقصة نجاحه في ادارة عشرات الشركات الرابحة والناجحة، في ان يحول كل هذا إلى مشروع نهضة حقيقي للعراق يشبه التجربة السنغافورية أم أن “الحلم السنغافوري” سيصطدم مجدداً بتعقيدات المشهد السياسي العراقي الذي يُراد له أن يظل بلدا ضعيفا وهشاً تتلقفه التوازنات والمحاور الإقليمية؟





