آراءالعراقخاص

عبد الباسط تركي الرئيس السابق للبنك المركزي العراقي في مقال لعراق أوبزيرفر ينتقد المزايدات السياسية بموضوع سعر الصرف

سعر الصرف بين المزايدات السياسية وممارسات الإدارة

 عبد الباسط تركي سعيد

الان وبعد ان توقفت المناقشات التي دارت بشأن تغيير سعر صرف الدينار العراقي والتي ساد في اغلبها الجدل غير الموضوعي فقد ان الاوان لمحاوله التعريج عليه وضرورة ايضاح وتكرار ما كنا قد بيناه ومنذ عام 2015 حيث كانت الموازنة العامة في حاله فائض وكان الايراد العام وعوائد النفط بخاصه تسمح بمعالجه الاضرار التي ستحيط بالطبقة الهشة ومحدودة الدخل من المواطنين إذا ما جرى التغيير.

كان التطرق لذلك الامر هو لضرورة تتطلبها السياسة الاقتصادية ومحاوله اعاده تنشيط قطاعات الانتاج السلعي (الزراعة والصناعة والخدمات المرافقة لهذه الأنشطة )في ضوء حجم البطالة المخيف سواء بالنسبة لمن هم في سن العمل من العراقيين او بالنسبة لتشغيل واستخدام الفرص والموارد الاقتصادية الاخرى المتاحة ودرء ظاهرة استفحال الاعتماد على الاستيراد (اصبح بلد النهرين يستورد مياه الشرب من بلدان ليس فيها انهار) وما يعكسه ذلك من اثر على استقلاليه وتنوع الاقتصاد فضلاً عن ما يوفره من امن غذائي للعراق ـ كنا في حينه نتوقع ان الإشكالية التي ستواجه هذا القرار سيكون مصدرها قلق متخذ القرار من خطورة اثر تغيير سعر الصرف على المستوى العام للأسعار في البلد وكذلك موقف الجهات الدولية ذات العلاقة وبخاصه صندوق النقد الدولي منها بالإضافة الى ان اثاره الإيجابية لن تكون واضحة في الاجل القصير في حين ان متخذ القرار السياسي العراقي الان معني بالآجال القصيرة واحياناً تكون التوقيتات اليومية شغله الشاغل، وكان توقعنا في محله تماما سيما بعد ان اخذ مستشارو المديونية المحيطين بمكتب رئيس الوزراء يعظمون من مخاطر ذلك واثاره على الوضع السياسي، ولضمان تمويل الموازنة بالبديل الاسرع وبدون تكلفة سياسيه انيه فقد اخذوا بوسيلة الاقتراض(المديونية الداخلية والخارجية )التي تدفع ثمنها الاجيال القادمة ومستقبل الاقتصاد العراقي رغم ان كل المقالات التي نشرناها او الرسائل التي وجهناها كانت تقترح اليات لمعالجه سلبيه الاثار التي سيتركها ذلك التغيير وما يتطلبه من خطه متكاملة تعتمد اولا المحافظة على مستوى الدخل الحقيقي للفرد لا يقل عما توفره حقيقة مواد البطاقة التموينية بعد اضافة مواد اخرى لتصبح ثمان مواد ولتشمل كل العراقيين بغض النظر عن مستوياتهم الداخلية ويترافق ذلك مع خطوات معلنه للسياسة النقدية في تغيير السعر والتي يجب ان يقودها حصرا البنك المركزي، اي ان تكون هنالك خطة وطنية تحدد فيها الاهداف ومراحل انجازها وتحدد كلفها والشرائح التي تتحمل وزر ذلك، الا ان كل ذلك لم يؤخذ به.

من المفيد التذكير بان المصدر الرئيسي والذي يمكن اعتباره الوحيد دون تردد للعملة الأجنبية في العراق هو ما يدخل الى الخزينة العامة من موارد نتيجة لتصدير النفط الخام العراقي ولذا فان الحكومة العراقية ومن خلال وزارة المالية هي المحتكر للعملة الأجنبية (الدولار غالباً) ولكي تقوم بتوفير الدنانير العراقية (العملة الوطنية) للأنفاق المحلي فهي تقوم بشراء هذه الدنانير من محتكر اخر للدينار هو البنك المركزي ولان الايرادات من العملة الأجنبية ليست هي المعتمدة في الانفاق المحلي، ولان الموازنة العامة العراقية لا تصدر كقانون الا من خلال بنودها المحتسبة بالدينار العراقي فان موارد الخزينة العامة من الايراد النفطي سيحدده البنك المركزي عبر سعر الصرف لكل دولار توفره الخزينة العامة والذي كان يقيم الدولار (يشتريه من وزارة المالية) بسعر 1180 دينار للدولار الواحد ثم قامت وزاره المالية بتقويم ما تمتلكه من عملة اجنبيه تشتري به دنانير بسعر جديد هو 1450 دينار لكل دولار واحد وفقاً لقانون الموازنة العامة لسنه 2021 وبذلك فأنها اصبحت تستطيع انفاق 1450,000 دينار مقابل كل 100 دولار بينما كانت تنفق 1180,000 دينار مقابل ذلك في قوانين الموازنة العامة في السنوات السابقة كان هذا هو ما حدث فعلاً وكان ذلك هو الهدف الرئيسي من التغيير والذي اتفقت معه قرارات البنك المركزي، لم يكن الاجراء المتخذ بتغيير سعر الصرف هو لغرض التصحيح الاقتصادي المرجو ولم يقر عبر خطه اقتصادية كما باتت معالمها التنفيذية وهنا برى من كان يعارضنا عندما كنا نتطرق للأمر الى الحديث الان عن( تصحيح سعر الصرف) وكانه لم يسمع بالحجج التي كانت تطرح لسنوات خلت من ان السعر السائد هو ليس بالسعر الحقيقي الذي تحدده المتغيرات الاقتصادية الخاصة بالاقتصاد العراقي بل هو سعر يجري الالتزام به بعد قرار اداري صرف, وصاحب الاثر الاكبر في استقرار هذه القيام ايضا وهكذا وبعد ان تراجعت اسعار النفط بشكل كارثي في عام 2020 وتسرب جزء مهم من مصادر الايرادات السيادية الاخرى خارج الموازنة العامة دون وصولها للخزينة العامة) اصبح لا مفر امام الإدارة المالية سوى تغيير سعر الصرف للغرض الايرادي الصرف ولان قانون موازنة عام 2020 لم يصدر فقد رحل قرار وزاره المالية الى السنه التالية.

الان وفي ظل تعافي الاسعار العالمية للنفط فان على الإدارة الاقتصادية في العراق ان تباشر في تنفيذ خططها للسياسة المالية في تامين ايرادات الموازنة العامة عبر مواردها التقليدية ومغادره الاعتماد على تغيير سعر الصرف او الاقتراض الفعلي من البنك المركزي او رواتب الموظفين والسعي الجاد لضمان التصرف الرشيد في اوجه الانفاق العام (وليس تقليص الإنفاق) وان يجري التعامل مع سعر الصرف عبر خطه نقديه متوسطه المدى لا يستبعد فيها لا يستبعد فيها البنك المركزي الاثار الاقتصادية والاجتماعية بعيده المدى وبخلافه فان الإدارة سوف تستمر بمزيد من المديونية ومزيد من الاقتطاع من الدخول الحقيقية لمحدودي الدخل عبر تصعيد معدلات الاستقطاع الضريبي واستمرار تغيير سعر الصرف والهروب من مواجهه الإشكالية الرئيسية الى الحل الوحيد الذي لا يمكن تفاديه بعد ان تكون قد تخلت كل فعلياً عن كل المساحة التي تتيحها فرصه الوفر المالي للإصلاح الهيكلي٠٠

نشرت هذه المقالة في جريدة العالم بتاريخ الثلاثاء 7/9/2021 العدد 2739

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });