
بغداد/ عراق أوبزيرفر
مجددًا، تعود أزمة تأخر صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين إلى واجهة المشهد العراقي، في تكرار بات مألوفًا لدى شريحة واسعة من المواطنين، ممن يعتمدون بشكل كامل على الراتب الشهري بوصفه مصدر الدخل الوحيد لتأمين متطلبات العيش الأساسية.
ويأتي هذا التأخير في وقت تشهد فيه البلاد ضغوطًا اقتصادية متزايدة، وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة، ما يضاعف من حجم القلق الاجتماعي ويضع آلاف العائلات أمام التزامات يومية لا تحتمل التأجيل.
ورغم التطمينات الحكومية المتكررة بأن الرواتب “مؤمّنة” ولن تتأثر، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى حالة من الارتباك وعدم الانتظام في مواعيد الصرف، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول قدرة الدولة على إدارة ملف السيولة المالية وضمان الاستقرار المعيشي لموظفيها.
وبينما تُرجع الجهات الرسمية أسباب التأخير إلى إجراءات فنية أو إدارية، يرى مراقبون أن الأزمة تجاوزت هذه التفسيرات، وباتت مرتبطة بتحديات مالية أعمق تتعلق بتراجع الإيرادات النفطية واختلال التدفقات النقدية، في ظل اعتماد شبه كامل على النفط كمصدر وحيد لتمويل الموازنة.
وفي هذا السياق، حذّر الخبير الاقتصادي ناصر الكناني من تفاقم أزمة تأخر صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، مؤكداً أن “المشكلة لم تعد إدارية أو تقنية كما يُشاع، بل باتت مرتبطة بشكل مباشر بشحّ السيولة المالية وتراجع الإيرادات النفطية”.
وأضاف الكناني لـ”عراق أوبزيرفر” أن “رواتب عام 2025 مؤمّنة من حيث المبدأ، إلا أن التأخيرات المتكررة تعكس خللاً واضحًا في التدفقات النقدية، ولا يمكن تبريرها بالمرور عبر وزارة المالية أو المصارف الحكومية أو أنظمة الدفع الإلكتروني، لكون هذه الإجراءات كانت تُنجز في السابق قبل يوم 20 من كل شهر”.
وبيّن أن “أحد الأسباب المباشرة للتأخير خلال الفترة الأخيرة يتمثل بتوقف حقل غرب القرنة/2 لنحو عشرة أيام، ما حرم العراق من قرابة 480 ألف برميل نفط يومياً، بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط وتقليص الصادرات إلى حدود 2.92 مليون برميل يومياً، بعد أن كانت تتجاوز 3.4 ملايين برميل”.
وأشار إلى أن “الموازنات للأعوام 2023–2025 بُنيت على أساس سعر 70 دولارًا للبرميل، في حين أن السعر الفعلي للنفط العراقي لا يتجاوز حالياً 50 دولارًا، وهو ما ينذر بأزمة مالية حقيقية إذا استمر هذا الفارق”.
وأضاف أن “الاعتماد شبه الكلي على النفط، مقابل غياب سياسات حقيقية لتفعيل القطاع الخاص أو دعم الصناعة والزراعة، فاقم من هشاشة الوضع المالي، وجعل تأخر الرواتب احتمالاً متكررًا لا حالة استثنائية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اتساع دائرة الفقر والبطالة”.
ماذا يقول الموظفون؟
على الأرض، ينعكس هذا التأخير بشكل مباشر على حياة الموظفين، الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن الإيفاء بالتزاماتهم الشهرية، من إيجارات وفواتير وقروض، في ظل غياب أي جدول زمني واضح يحدد موعد صرف الرواتب.
وفي هذا الإطار، قال تحسين المياحي، موظف في وزارة النقل لـ”عراق أوبزيرفر” إن “الوزارة لم تتسلم رواتبها حتى الآن، رغم مرور أيام على الموعد المعتاد للصرف، ما تسبب بإرباك كبير للموظفين، خصوصًا أن أغلبهم يعتمد على الراتب لتغطية التزامات ثابتة لا يمكن تأجيلها”.
وأضاف أن “غياب أي توضيح رسمي حول موعد الصرف يزيد من حالة القلق، ويجعل الموظف غير قادر على التخطيط حتى لأبسط متطلبات أسرته”.
وفي سياق مماثل، قال كاظم العبيدي، وهو موظف في ديوان الوقف السني لـ”عراق أوبزيرفر” إن “تأخر صرف الرواتب أصبح عبئًا متكررًا على الموظفين، لا سيما مع ارتفاع الأسعار وتراكم الالتزامات المعيشية، فيما لا تصلنا سوى تطمينات عامة دون تحديد مواعيد واضحة”.
وأشار إلى أن “هذا الوضع يضع الموظف تحت ضغط نفسي كبير، ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي، خصوصًا لدى أصحاب الدخل المحدود الذين لا يمتلكون أي بدائل مالية”.
ويستحضر مراقبون في هذا السياق آلية كانت معتمدة قبل عام 2003، حيث كان يُصرف راتب شهر كانون الأول مبكرًا في منتصف الشهر لأغراض الجرد السنوي وإغلاق الحسابات المالية، وهو إجراء كان يضمن انتظام الصرف وعدم ترحيل الاستحقاقات إلى العام التالي.
ومع استمرار تكرار أزمة تأخر الرواتب، تتصاعد الدعوات إلى اعتماد حلول جذرية تعالج الخلل في إدارة السيولة، وتنويع مصادر الإيرادات بعيدًا عن النفط، بما يضمن انتظام صرف الرواتب ويحمي الاستقرار المعيشي لشريحة واسعة من العراقيين، بدل الاكتفاء بمعالجات مؤقتة لا تمنع عودة الأزمة من جديد.



