
بغداد/ عراق اوبزيرفر
في الرابع عشر من شباط، لا تتحرك الأسواق العراقية بدافع العاطفة وحدها، بل بنبض اقتصادي واضح، ففي بلد يبلغ عدد سكانه 46.1 مليون نسمة، وتصل نسبة المتزوجين فيه إلى 54.1%، يعني أن ما يقارب 25 مليون عراقي وعراقية يعيشون ضمن إطار الزواج، فهذه الكتلة السكانية وحدها كفيلة بتحويل مناسبة عاطفية إلى حدث استهلاكي واسع التأثير.
تفكيك الأرقام
عند تفكيك الأرقام، يتبين أن نحو 12.5 مليون أسرة زوجية تمثل القاعدة المحتملة للاحتفال. وحتى لو افترضنا أن نصفهم فقط قرروا إحياء المناسبة، فإن أكثر من 6 ملايين زوج سيقفون أمام واجهات محال الورود والهدايا لتبدأ الحكاية الحقيقية دينار وراء دينار، تتشكل مئات المليارات في يوم واحد!
في الأسواق، يتقدم “بوكيه الورد” الصفوف، الوردة الحمراء ليست مجرد زهرة، بل إعلان رمزي عن حضور العاطفة. أسعار الباقات تتفاوت بين البسيط والمتوسط والفخم، لكنها غالباً ما تتراوح بين 20 إلى 40 ألف دينار، وقد تتجاوز ذلك في المناطق الراقية، ومع ملايين المشترين، يصبح الورد وحده سوقاً ضخمة بمليارات الدنانير.
المشهد يتكرر في كل محافظة ومدينة، ازدحام أمام محال الزهور، طلب متزايد على التغليف الفاخر، وعبارات مطبوعة بعناية تُرفق مع الباقة. كثير من الأزواج يختارون الورد تحديداً لأنه هدية مباشرة وواضحة الدلالة، لا تحتاج إلى شرح، فهو تعبير مختصر عن الامتنان والمودة داخل مؤسسة الزواج.
حجم الانفاق
وبالعودة إلى الحسابات التقريبية، فإن إنفاقاً متوسطاً يتراوح بين 25 إلى 40 ألف دينار لكل زوج محتفل، ومع مشاركة ملايين الأزواج، يضع إجمالي الإنفاق في نطاق يتجاوز 200 مليار دينار عراقي بسهولة، وقد يقترب من 400 مليار إذا ارتفعت نسب المشاركة ومتوسط الصرف. هذه الأرقام لا تشمل فقط الورد، بل تمتد إلى العطور والحلويات والعشاء في المطاعم.
الجدير بالاشارة، ان هذه الارقام اعتمدت نسبة المتزوجين فقط، ولم تأخذ بنظر الاعتبار هدايا الاصدقاء او الاشخاص المرتبطين بعلاقات حب.
بالمحصلة، لم يعد عيد الحب في العراق مناسبة رمزية فحسب، بل تحول إلى مؤشر موسمي يقيس المزاج الاستهلاكي للأسرة العراقية.
جذور “الفلنتاين”
عيد الحب الذي يُحتفل به في 14 شباط بدأ في الأصل كمهرجان روماني وثني يُعرف بـ”لوبركيليا”، كان يتضمن طقوساً عنيفة مرتبطة بالخصوبة. وفي أواخر القرن الخامس، استبدله البابا جيلاسيوس الأول بعيد مسيحي حمل اسم “القديس فالنتين”، تخليداً لذكرى شهداء مسيحيين يحملون هذا الاسم، أبرزهم كاهن روماني يُقال إنه زوج العشاق سراً متحدياً قرار الإمبراطور كلوديوس الثاني، فأُعدم بسبب ذلك.
ظل العيد دينياً لقرون، حتى ربطه الشاعر جيفري تشوسر في القرن الرابع عشر بفكرة الحب الرومانسي، ثم عزز شكسبير هذا المعنى في أعماله. ومع الوقت، تطور إلى مناسبة اجتماعية لتبادل الرسائل، وظهرت أولى بطاقات المعايدة في القرن الخامس عشر، ثم تحول في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى صناعة تجارية كبرى، خاصة مع انتشار البطاقات المطبوعة والشوكولاتة.
ارتبطت بالمناسبة رموز مثل القلب، وكيوبيد، والورود الحمراء، وأصبح العيد اليوم احتفالاً عالمياً يتنوع شكله من بلد لآخر؛ ففي بعض الدول يُحتفى به على نطاق واسع، بينما يُقيَّد أو يُعارَض في دول أخرى لأسباب دينية أو ثقافية.



