
بغداد / عراق اوبزيرفر
في ظل تصاعد التجاذبات داخل البيت السياسي العراقي، تعود معركة رئاسة الوزراء إلى واجهة المشهد بوصفها عقدة المرحلة المقبلة ومحور التوازنات الداخلية والخارجية على حد سواء. فالنقاش لم يعد محصوراً بأسماء المرشحين بقدر ما بات مرتبطاً بحسابات إقليمية ودولية دقيقة، وهواجس اقتصادية ومالية تمس استقرار البلاد.
ومع اتساع دائرة الاعتراض على بعض الترشيحات، وطرح بدائل تُوصف بأنها أقل تصادمية وأكثر قبولاً خارجياً، تتداخل الاعتبارات السياسية مع الملفات الاقتصادية الحساسة، من إدارة العوائد النفطية إلى العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية.
وبين انسداد محتمل وتسويات قيد التشكل، يقف العراق أمام مفترق سياسي جديد قد يحدد مسار الاستقرار أو يعمّق أزمة الثقة في المرحلة المقبلة.
تحولات تدريجيّة
وفي هذا الصدد، أكد الخبير في الشأن السياسي غازي فيصل، أن “المشهد السياسي العراقي يشهد تحولات تدريجية باتجاه توسيع دائرة الاعتراض على إعادة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، سواء من داخل الإطار التنسيقي أو من قوى سياسية أخرى، مشيراً إلى أن هذا التحول يرتبط بعوامل داخلية وخارجية متراكمة”.
وقال فيصل لـ”عراق اوبزيرفر” إن “الضغوط الأميركية، المباشرة وغير المباشرة، تمثل عاملاً محورياً في هذا السياق، ولا سيما المخاوف المرتبطة باحتكار السلطة وانعكاساته على المصالح الأميركية في العراق، إلى جانب تداعيات اقتصادية محتملة تمس علاقة العراق بالاحتياطي النقدي في المصرف الفيدرالي الأميركي، وعائدات النفط، وإدارة التحويلات المالية، فضلاً عن العلاقة بين البنك المركزي والمؤسسات المالية الدولية”.
وأوضح أن “أي توتر سياسي أو عقوبات غير مباشرة قد يفاقم الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، عبر ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتراجع الاستثمارات، وتفاقم الأزمات الخدمية والبيئية، فضلاً عن توسع المدن العشوائية وتهديد الاستقرار الاجتماعي، محذراً من أن إعادة تكليف المالكي قد تفتح الباب أمام فوضى سياسية واقتصادية يصعب احتواؤها”.
السوداني.. الخيار الافضل
في المقابل، أشار فيصل إلى أن “رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني يُعد خياراً أقل إشكالية داخلياً وخارجياً، لتمتعه بقبول إقليمي ودولي نسبي، ولا سيما من الولايات المتحدة ودول الخليج والسعودية ومصر، إضافة إلى قدرته على بناء علاقات متوازنة مع المحيط العربي، بخلاف المالكي الذي شهدت علاقاته مع هذه الدول توترات وصلت حد القطيعة السياسية”.
وأضاف أن “الخطاب السياسي للسوداني يتسم بقدر أقل من التصادمية، مع قدرة على إدارة التوازنات داخل الإطار التنسيقي، لافتاً إلى أنه رغم انتمائه السابق إلى ائتلاف دولة القانون، إلا أنه يُنظر إليه كخيار أكثر استقلالية وأقل ارتباطاً بإرث الصراعات السابقة”.
وبين فيصل أن “المعطيات تشير إلى موقف أميركي أكثر إيجابية تجاه إعادة تكليف السوداني، في ظل تفضيل الإدارة الأميركية، ووجود شخصيات معنية بالملف العراقي مثل توم براك، للتعامل مع شخصيات تنفيذية براغماتية تحافظ على المصالح الأميركية دون صدامات مفتوحة، مقابل موقف أكثر تشدداً في حال إعادة ترشيح المالكي قد يصل إلى استخدام أدوات ضغط اقتصادية ومالية”.
رئاسة الجمهورية.. الحل من برلمان كوردستان
وبشأن ملف رئاسة الجمهورية، أوضح فيصل أن “الأزمة لا تزال قائمة بسبب التعقيدات الدستورية والسياسية، منوهاً إلى مقترح الحزب الديمقراطي الكوردستاني، المدعوم من مسرور بارزاني، والقائم على إجراء تصويت داخل برلمان إقليم كوردستان بين مرشحي الحزبين الرئيسيين، وتقديم الفائز كمرشح توافقي إلى مجلس النواب العراقي، في محاولة لنقل الخلاف من بغداد إلى الإقليم واحتوائه”.
وختم فيصل بالإشارة إلى جملة سيناريوهات محتملة، أبرزها “إعادة تكليف محمد شياع السوداني بتوافق داخلي وضوء أخضر إقليمي ودولي، أو استمرار الانسداد السياسي في حال الإصرار على ترشيح المالكي، أو التوصل إلى تسوية كردية داخلية حول رئاسة الجمهورية، أو الذهاب إلى إعادة فتح باب الترشيحات في حال تجاوز المدد الدستورية المنصوص عليها في المادة (72) من الدستور”.
وفي المحصلة، تبدو معادلة السلطة في العراق محكومة بتوازنات دقيقة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، لتلامس اعتبارات إقليمية ودولية واقتصادية شديدة الحساسية. فحسم ملفي رئاسة الوزراء والجمهورية لن يكون مجرد استحقاق دستوري اعتيادي، بل اختباراً لقدرة القوى السياسية على إنتاج تسوية واقعية تجنب البلاد الانزلاق نحو مزيد من الانسداد.
وبين خيارات التوافق أو التصعيد، تبقى المرحلة المقبلة مرهونة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وإدراك أن أي إخفاق في إدارة هذا الاستحقاق قد ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي والمالي والاجتماعي، في وقت لم يعد فيه هامش المناورة واسعاً كما كان في دورات سابقة.




