العراقالمحررخاصرئيسية

عيد المعلم في العراق.. هل ما زال للتعليم هيبته؟

بغداد/ عراق اوبزيرفر

في صباح الاول من آذار، استيقظ أحمد، المعلم في إحدى مدارس بغداد، على صوت ابنه الصغير وهو يسأله بحماس: “بابا، اليوم عيد المعلم! هل سيحتفلون بك في المدرسة؟”. ابتسم أحمد وربّت على رأس ابنه قائلاً: “سنرى، يا بني”. ارتدى بدلته القديمة التي احتفظ بها منذ سنوات، ولم ينسَ أن يضع بضع أوراق في حقيبته، بعضها أسئلة لطلابه، وبعضها شكاوى لم تحل منذ أشهر بسبب نقص المستلزمات المدرسية.

خرج من منزله وهو يتذكر أول مرة دخل فيها الفصل كمعلم قبل عشرين عامًا، يومها كان التعليم في العراق مختلفًا. كان الطلاب ينهضون احترامًا لدخول المعلم، وكانت المدارس مزدهرة، تحمل رائحة الكتب الجديدة وألوان المقاعد اللامعة. أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا.

*بين الأمس واليوم.. أين هي هيبة المعلم؟

عندما دخل أحمد إلى المدرسة، لاحظ أن القليل فقط من الطلاب كانوا يعرفون عن عيد المعلم. في الماضي، كان الطلاب يحضرون ورودًا ورسائل شكر لمعلميهم، أما اليوم، فالقليل منهم يعبأ بالمناسبة، وكأن التعليم لم يعد أولوية في حياتهم. “لم يعد هناك ذلك التقدير الذي كنا نحظى به قبل عقود”، هكذا قال أحمد لزميله، الأستاذ علي، وهو يحتسي الشاي في غرفة المعلمين.

الأستاذ علي، الذي أمضى 30 عامًا في التعليم، أومأ برأسه وأضاف بحزن: “في الثمانينيات والتسعينيات، كانت المدارس تهتم بهذه المناسبة، وكانت الإذاعة المدرسية تذيع كلمات عن دور المعلم في بناء المجتمع. أما الآن، فالمعلم يُهاجم أكثر مما يُكرّم”.

*تحديات التعليم في العراق.. أزمة بلا حلول؟

خلال حديثهم، دخل مدير المدرسة، وهو رجل متعب يبدو أن أعباء الوظيفة أثقلت كاهله. قال لهم: “وصلتني للتو قائمة بأسماء المعلمين الذين لم يتسلموا رواتبهم منذ شهرين. كيف يحتفل المعلم بعيد لا يستطيع فيه حتى شراء مستلزمات بيته؟”.

مشاكل التعليم في العراق ليست وليدة اليوم، بل هي تراكمات عقود من الأزمات السياسية والاقتصادية. نقص الرواتب، تدهور البنية التحتية للمدارس، غياب التدريب الحديث للمعلمين، وانتشار المدارس الطينية في بعض المحافظات، كلها عوامل ساهمت في تراجع مستوى التعليم وهيبة المعلم.

وعلى الرغم من الوعود الحكومية المستمرة بإصلاح القطاع التعليمي، إلا أن الواقع يشير إلى العكس. في تقرير صادر عن وزارة التربية العام الماضي، كُشف أن هناك نقصًا حادًا في عدد المدارس، حيث يضطر العديد من الطلاب إلى التعلم في مدارس تعمل بنظام الدوام الثلاثي، ما يؤثر على جودة التعليم.

*قصص من الميدان

في إحدى زوايا المدرسة، كانت هناك معلمة تجلس بهدوء تقلب دفتر العلامات. اسمها إيمان، وهي معلمة رياضيات تعمل منذ أكثر من 15 عامًا. سألتها عن عيد المعلم، فتنهدت وقالت: “في كل عام، نتحدث عن مشاكلنا في هذا اليوم، ولا شيء يتغير. لكني مع ذلك أرفض الاستسلام، لأن التعليم ليس مجرد وظيفة، بل رسالة”.

أما زميلها، فاضل، فقد قرر ترك التدريس قبل عامين بسبب ضعف الرواتب وقلة الاحترام الذي يتلقاه من الطلاب وأولياء الأمور. “كنت أعمل كمدرس نهارًا، وسائق تكسي مساءً لأعيل أسرتي، في النهاية، اخترت أن أترك التعليم لأنني لم أعد أرى فيه مستقبلًا”، قال فاضل بأسف.

ورغم كل هذه التحديات، لا يزال هناك بصيص أمل. بعض المدارس تحتفل بعيد المعلم بشكل بسيط، الطلاب يجمعون مبلغًا رمزيًا لشراء درع شكر لمعلميهم، وبعض الإدارات تحاول بث روح الحماس في هذا اليوم من خلال كلمات التشجيع والتقدير.

عندما انتهى دوام أحمد وعاد إلى منزله، وجد ابنه ينتظره ممسكًا بوردة صغيرة. “هذه لك، بابا، لأنك معلم رائع!”، ابتسم أحمد، شعر أن هناك شيئًا لم يضِع تمامًا، ربما لا يزال هناك أمل، حتى لو كان صغيرًا بحجم تلك الوردة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });