
بغداد / عراق اوبزيرفر
في الوقت الذي أعلنت فيه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن فرض غرامات مالية تتراوح بين (2 – 10) ملايين دينار على المخالفين لضوابط الحملات الانتخابية، تعالت أصوات سياسية وانتقادات من محللين اعتبروا هذه العقوبات غير كافية ولا تمتلك القوة اللازمة لردع القوى النافذة، خصوصًا في ظل السباق الانتخابي المحتدم الذي تشهده الساحة العراقية.
الغرامات.. أداة للردع أم مجرد أرقام؟
المفوضية كشفت عبر الناطق باسمها، جمانة الغلاي، عن تشكيل لجان مختصة لمتابعة ورصد المخالفات المرتبطة بنظام الشكاوى والطعون ونظام الحملات الانتخابية، مؤكدة أن هذه اللجان تعمل بشكل ميداني وإلكتروني معًا، من خلال مراقبة الأنشطة الإعلامية والإعلانية والتواصل المباشر مع فرق المفوضية المنتشرة في بغداد والمحافظات.
وبيّنت الغلاي أن هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان الالتزام التام بالضوابط الانتخابية ومنع استغلال النفوذ أو الموارد العامة.
الغلاي أشارت إلى أن المفوضية فرضت بالفعل غرامات مالية على عدد من المرشحين والقوى السياسية المخالفة، حيث شملت العقوبات غرامة قدرها عشرة ملايين دينار على من استغلوا مواقعهم الوظيفية في الدعاية الانتخابية، وغرامة خمسة ملايين دينار على آخرين تورطوا باستغلال النفوذ بشكل مباشر، إضافة إلى غرامة تصل إلى مليوني دينار على من بدأوا حملاتهم الدعائية قبل الموعد القانوني.
وأكدت أن المفوضية “ماضية في متابعة جميع المخالفات، وأن هذه الإجراءات الصارمة تهدف إلى تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين المرشحين، فضلاً عن الحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية”، داعية جميع المرشحين والقوى السياسية إلى الالتزام بالأنظمة واللوائح النافذة.
“العقوبات رمزية وتخدم الكبار”
لكن المحلل السياسي علي الحبيب رأى أن هذه العقوبات لا ترتقي إلى مستوى الردع الحقيقي، بل تبدو أقرب إلى إجراءات رمزية يمكن تجاوزها بسهولة.
وقال الحبيب، لـ”عراق اوبزيرفر”، إن فرض غرامة تصل إلى 10 ملايين دينار على من يستغل موقعه الوظيفي أو يباشر بحملاته الدعائية قبل موعدها لا يشكل حاجزًا أمام القوى النافذة، فالقيمة المالية للمنصب العام والتخصيصات الانتخابية تتجاوز عشرات الملايين، ما يجعل دفع الغرامة أمرًا بسيطًا وغير مؤثر.
وأضاف أن الغرامات التي تتراوح بين 2 مليون و10 ملايين دينار لا تثقل كاهل السياسي رفيع المستوى أو التحالفات الكبيرة، إذ يمكن أن تُسدد بسهولة من ميزانية حملة انتخابية واحدة، بل قد تُعتبر تكلفة جانبية مقابل المكاسب السياسية المحتملة من كسب مقاعد إضافية داخل البرلمان.
وأشار إلى أن هذا الواقع يولد شعورًا بالإحباط لدى الأحزاب الناشئة والمستقلة التي تجد نفسها في مواجهة غير عادلة أمام قوى كبيرة تمتلك نفوذًا ماليًا وسياسيًا يمكنها من الالتفاف على العقوبات. وأكد أن فاعلية العقوبات يجب أن تُقاس بقدرتها على كبح النفوذ السياسي ومنع الخرق المنظم، لا بمدى سهولة تسديدها.
معركة الشفافية والنزاهة
الجدل الدائر يعكس معركة أوسع في العراق بين شعارات الشفافية والنزاهة من جهة، وممارسات النفوذ السياسي من جهة أخرى. فبينما تسعى المفوضية إلى تقديم نفسها كجهة ضامنة لنزاهة العملية الانتخابية عبر إجراءات تنظيمية، يرى مراقبون أن ضعف العقوبات قد يفتح الباب أمام خروقات متكررة، خصوصًا مع وجود أحزاب تمتلك موارد مالية ضخمة تجعلها قادرة على استيعاب الغرامات كتكلفة عادية ضمن استراتيجياتها الانتخابية.
ويرى الحبيب أن الاستمرار بهذه الآلية قد يقوض ثقة الشارع العراقي بالعملية الانتخابية برمتها، ويدفع بالمستقلين والأحزاب الناشئة إلى الاعتقاد بأن المنافسة غير متكافئة، وهو ما يهدد مبدأ العدالة الذي تسعى المفوضية إلى ترسيخه.
التحديات أمام المفوضية
على الرغم من الانتقادات، يبرز تحدٍ كبير أمام المفوضية يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين فرض العقوبات وتنفيذها بشكل عادل، بعيدًا عن الانتقائية أو الاستهداف السياسي. فالعراق يعيش مرحلة سياسية حساسة، حيث تشكل الانتخابات المقبلة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة النظام الانتخابي على استعادة ثقة المواطن.
ويرى بعض المراقبين أن المفوضية بحاجة إلى أدوات ردع أقوى، مثل مضاعفة الغرامات، أو حتى اللجوء إلى إلغاء الترشيح في حال تكرار المخالفات، وهو ما قد يمنح الإجراءات بعدًا أكثر صرامة ويمنع استغلال النفوذ.




