
بغداد / عراق اوبزيرفر
في خضم الأجواء السياسية المحتقنة التي يعيشها العراق، عاد قانون الحشد الشعبي ليتصدر واجهة الأحداث داخل أروقة البرلمان وخارجها، وسط تباين كبير في المواقف وتقاطعات بين رؤية الكتل السياسية واعتبارات أمنية وإقليمية ودولية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه قوى سياسية على ضرورة تمرير القانون بشكل عاجل تقديراً لتضحيات الحشد وضمان حقوق مقاتليه، تتصاعد في المقابل أصوات تدعو إلى التريث وتعتبر أن تمرير القانون في هذا التوقيت قد يفتح أبواب أزمات جديدة، وربما يضع العراق في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة.
*قانون يقتحم جداول الجلسات
عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب، حسين العامري، كشف في تصريح خاص لـ”عراق أوبزيرفر” أن اجتماع ائتلاف إدارة الدولة الذي عُقد مؤخراً شهد توافقاً سياسياً نادراً بين مختلف الأطراف حول تمرير القانون.
وأوضح العامري أن جميع القوى السياسية “توصلت إلى قناعة راسخة بضرورة إقراره، باعتباره خطوة لخدمة الصالح العام وتكريماً لتضحيات الحشد الشعبي ومساهمته الكبيرة في استتباب الأمن بالعراق”.
وأضاف أن “القانون من المرجح أن يُدرج على جدول أعمال جلسة البرلمان إما اليوم الاثنين أو يوم غد الثلاثاء، مع وجود تفاهمات مبدئية بين القوى الشيعية والسنية والكردية لضمان تمريره دون خلافات حادة”.
*المشهداني يحذر
هذا التوجه الذي يصفه مراقبون بـ”التوافقي”، يقابله موقف مختلف من رئيس مجلس النواب محمود المشهداني، الذي حذّر في حوار متلفز تابعته “عراق أوبزيرفر” من مغبة التسرع في تمرير القانون في هذا التوقيت. المشهداني أشار إلى أن إزاحة الحشد الشعبي أو المساس به قد يسهل – بحسب تعبيره – “فكرة نتنياهو” بغزو العراق برياً، مؤكداً أن المنطقة تمر بظروف حساسة وسيناريوهات مفتوحة، ما يستدعي قراءة دقيقة لأي خطوة تشريعية مرتبطة بالحشد.
المشهداني استعرض مسار القانون داخل المؤسسة التشريعية، مبيناً أن جميع القوانين تُعرض بداية على اللجان النيابية المختصة، وقانون الحشد الشعبي لم يكن استثناءً، حيث نُوقش في لجنة الأمن والدفاع.
ووفقاً له، فقد أوصت اللجنة بعدم تمرير القانون في تلك المرحلة لأنه “يحيل أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل من ذوي الخبرة إلى التقاعد”، وهو ما اعتبرته خطوة خطيرة في وقت يشهد العراق والمنطقة تحديات أمنية متزايدة. المشهداني أوضح أنه اقتنع حينها برأي اللجنة وأعاد القانون إلى مجلس الوزراء.
وبعد سلسلة من المداولات، أرسل مجلس الوزراء نسخة معدلة من القانون، تضمنت هيكلية الحشد الشعبي بدلاً من قانون التقاعد، بهدف ضمان توصيف وظيفي صحيح لكل فرد، وتهيئة الأرضية المناسبة لتشريع قانون التقاعد لاحقاً. لكن هذه الخطوة تزامنت مع أحداث متسارعة في سوريا ألقت بظلالها الثقيلة على العراق، ودعت البرلمان إلى تجميد بعض الإجراءات الرقابية، مثل استجواب القادة الأمنيين، تفادياً لإرسال “رسالة سلبية” إلى الشارع أو إلى الأطراف الإقليمية.
الأكثر خطورة في رواية المشهداني هو ما يتعلق بالتدخل الأميركي غير المباشر. فقد كشف عن رسالة وصلت من واشنطن إلى القادة السياسيين العراقيين، تؤكد من جهة أن الولايات المتحدة لن تتدخل في عملية التشريع باعتبار أن العراق “دولة ذات سيادة”، لكنها من جهة أخرى حذرت من أن بعض القوانين – في حال إقرارها – ستتعارض مع التشريعات الأميركية، وهو ما سيؤدي تلقائياً إلى وقف التعاون الأمني والاقتصادي مع بغداد، وربما فرض عقوبات تطال مؤسسات حيوية مثل شركة تسويق النفط “سومو” أو مصرف “تي بي آي”، ما سينعكس مباشرة على رواتب الموظفين والإنفاق العام.
المشهداني اعتبر أن العراقيين بطبيعتهم لا يرضخون للتهديدات، مستشهداً بتاريخ طويل من المواجهة منذ عام 1958، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن حتى نسبة ضئيلة من التهديد الأميركي – ولو 5% فقط – قد تشكل خطراً كبيراً على المصالح العراقية الحيوية. ومن هنا دعا إلى “التريث” في تمرير القانون، معتبراً أن تأجيله لا يعني التخلي عنه بل مجرد انتظار لحين استقرار أوضاع المنطقة وتخفيف حدة الضغوط الدولية.
وفي معرض دفاعه عن هذا الموقف، أكد المشهداني أن البعض يظن أن رئاسة البرلمان تقف ضد الحشد الشعبي، “لكن الحقيقة أننا نسعى لحمايته، فالقضية لا تتحمل العناد السياسي”. واعتبر أن القانون “بارد” ولا يمثل أولوية عاجلة في ظل استمرار رواتب مقاتلي الحشد وعدم وجود مشاكل في عملهم، ما يجعل التوقيت الحالي غير مناسب للتشريع.




