
غزة / خاص عراق اوبزيرفر
في ساعات مبكرة من الصباح، وعلى أطراف الطريق الترابي الممتد بين البيوت المهدمة وأكوام الركام، تسحب عائلة فلسطينية منزلها المتنقل على عربة صغيرة. البيت، الذي لم يتجاوز حجمه غرفة واحدة، أصبح كل ما يملكونه بعد أن أجبروهم على الفرار من منزلهم الأصلي في حي “الشجاعية” شرق مدينة غزة، مع بدء التوغل البري “الإسرائيلي”.
وأعلن الجيش “الإسرائيلي”، الثلاثاء، بدء العملية البرية لاجتياح مدينة غزة من خلال توغل لواءين (98 و162) إلى أطراف المدينة، تمهيداً للتقدم باتجاه الأحياء، وذلك وسط تحذيرات من كارثة إنسانية ومطالب دولية بإيقاف الهجوم العسكري الذي تسبب في نزوح عشرات الآلاف من الفلسطينيين باتجاه جنوب القطاع.
الأب، محمد، الذي ترافقه زوجته وأطفاله الأربعة، يحاول حماية ما تبقى من حياتهم. “كل شيء تركناه خلفنا، حتى ذكرياتنا، لكننا لا نستطيع أن نترك البيت، إنه آخر ما يربطنا بأرضنا”، يقول وهو يسحب العربة التي تكاد تنكسر تحت ثقل الأمتعة.
الطرق أصبحت مسرحا لنزوح آلاف العائلات. الأطفال يركضون أمام العربة ويصرخون من التعب والجوع، بينما تحمل النساء أواني الطعام وبعض الملابس. وفي كل خطوة، يسمعون أصوات الانفجارات في الخلفية، ودخانًا أسود يغطي الأفق، يذكرهم بالتهديد المستمر على حياتهم.
في أحد التقاطعات، تلتقي بهم عائلة أخرى، تجلس على أطراف الطريق بلا وجهة محددة، متسائلة عن مصيرها القادم. “ليس لدينا مكان نذهب إليه، كل المدن المحيطة صارت أهدافًا للطائرات والدبابات”، تقول أم سامر وهي تحاول تهدئة طفلها الرضيع.
تقرير مصور من المكان يظهر مشهدًا مأساويا: أمتعة متناثرة على الطرق، سيارات محترقة، وبيوت مدمرة، بينما تسحب العائلات عربة واحدة تحمل بقايا حياتهم. مشهد عابر لرحلة نزوح قسرية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لكنها تعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المدنيون وسط الحرب.
محمد ينظر إلى الأفق، يحاول إيجاد مأوى مؤقت لعائلته، ويهمس: “مهما ابتعدنا، سنبقى نبحث عن بيت، عن مكان يحمي أطفالنا، عن حياة تليق بهم”. ومع كل خطوة تسحب العربة الصغيرة، يكتبون صفحة جديدة من الصمود في مواجهة الحرب التي لا تعرف الرحمة.
لم يكن في حسبان العائلات الغزية أن تتحول لحظاتها اليومية إلى سباق مع الزمن، حيث تتساقط القذائف كأنها براكين، تدك البيوت وتقتلع الأمان من الجذور. كلمات قصيرة، مقتضبة ومحمّلة بالذعر، قالتها فتاة غزية لـ”عراق اوبزيرفر” في حديث خاص عبر “ماسنجر” اختصرت فيه حجم المأساة: “الوضع كتير صعب.. خطر.. الجيش أعطانا 10 دقائق نطلع من البيت وإلا يقصفه فوق روسنا”.
في تلك اللحظات العصيبة، تصبح عشر دقائق هي الفاصل بين البقاء والرحيل، بين بيت يأوي عائلة منذ سنوات وبين ركام يعلوه الغبار. لم يسمح الجنود إلا بخروج سريع، بلا حقائب ولا ذكريات ولا حتى كسرة خبز. مجرد دقائق معدودة كافية لتجعل العائلات تُدفع إلى الشوارع بلا وجهة، أطفال يركضون في حضن أمهاتهم، نساء يجهشن بالبكاء، ورجال عاجزون أمام سطوة النار والحديد.
إحدى الروايات تخرج من بين الدموع: “هي بيت أهلي، متأجرينه.. انقصف قدام عيونا. أعطوهم 10 دقائق بس ليطلعوا. ما أخدوا شي. طلعوا بملابسهم”. هكذا تختصر الحرب أعمار الناس في حقائب صغيرة لا وقت لحملها، وتحوّل البيوت العامرة بالحب إلى مجرد أرقام في عدّاد القصف.
الانفجارات لا تشبه أصوات الحرب المألوفة؛ من داخل غزة يشبّهها الأهالي بزلزال، ببركان يزمجر في أعماق الأرض: “القصف كأنه صوت بركان… مش طبيعي… تعبنا والله بكفي.” الصوت وحده كفيل أن يُفزع قلب طفل، أن يربك عجوزاً مريضاً، وأن يزرع الخوف في نفوس أجيال بأكملها.
وسط الدمار، يتشبث الناس بالدعاء: “ربما لطف فينا.. الحمد لله ربنا لطف فينا”. فحتى تحت نيران القصف، لا زال هناك متسع للإيمان بأن الغد قد يحمل بارقة نجاة. لكن النجاة نفسها تتحول إلى معركة يومية، عنوانها الفرار والبحث عن مأوى جديد، لا أحد يعرف إن كان سيكون آمناً، أم أنه سيتحول بدوره إلى هدف بعد ساعات.






