
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم يكن إيداع العراق خرائط حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة خطوة إجرائية سريعة، بل تحركاً استراتيجياً أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين بغداد والكويت.
فالملف لا يتعلق بخطوط على الماء فقط، بل بميزان سيادة، وبهوامش مناورة قانونية، وبقدرة الدولة العراقية على تثبيت روايتها في المحافل الدولية.
وجاء التحرك العراقي عبر إيداع خريطة المجالات البحرية مع الإحداثيات الدقيقة، في مسعى لتحديد ما يريده العراق رسمياً في ما يخص البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
وهذه الخطوة تُقرأ، وفق مراقبين، على أنها تثبيت لموقف تفاوضي قبل أي جولة مقبلة، أكثر من كونها تغييراً فورياً في الواقع القانوني القائم.
القرار 833… السقف القانوني
يبقى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 833 لسنة 1993 الإطار الناظم لترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت بعد عام 1991.
وبحسب خبراء قانون دولي، فإن أي تعديل جوهري في الترسيم لا يتم عبر خرائط أحادية، بل يحتاج إلى توافق ثنائي أو مسار تحكيمي أمام محكمة العدل الدولية.
من هنا، فإن إيداع الخرائط لا يعني تلقائياً اعترافاً أممياً جديداً بالمطالب العراقية، بل يُعد إبلاغاً رسمياً يُسجل في وثائق الأمم المتحدة، ويمكن أن يصبح لاحقاً مادة نزاع إذا قُدمت اعتراضات مقابلة.
التصعيد الكويتي… ضغط تفاوضي مبكر
وجاء رد الفعل الكويتي سريعاً عبر استدعاء القائم بالأعمال العراقي وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية من قبل وزارة الخارجية الكويتية، معتبرة أن بعض الإحداثيات تمس مناطق لا يوجد نزاع حول سيادتها.
واتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله لعام 2012 عالجت الجوانب الفنية والإدارية للملاحة، مع تأكيدها عدم المساس بالحدود المقررة بقرار 833، غير أن الجدل السياسي داخل العراق حول الاتفاقية ظل قائماً، ما يجعل أي تحرك جديد في هذا الملف محاطاً بحساسية داخلية لا تقل عن الحساسية الخارجية.
دبلوماسية تحت الاختبار
بدوره قال الباحث في الشأن السياسي علي ناصر إن “الملف البحري مع الكويت لا يُفصل عن شبكة المصالح الاقتصادية والتجارية المتداخلة بين البلدين، وبعضها يتجاوز الإطار الحكومي إلى حسابات حزبية واقتصادية عابرة للحدود”.
وأضاف في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “وزارة الخارجية مطالبة اليوم بموقف واضح ومعلن يحمي السيادة العراقية، لأن ضبابية الخطاب في ملفات حساسة كهذه تضعف الثقة الشعبية بالمؤسسة الدبلوماسية”.
ويذهب مراقبون إلى أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق ثلاثة مسارات: إما احتواء دبلوماسي يعيد الملف إلى طاولة تفاوض هادئة، أو تصعيد قانوني عبر التحكيم الدولي، أو إبقاء النزاع في منطقة رمادية تُستخدم كورقة ضغط متبادلة.
وفي خضم السجال الدبلوماسي، أصدرت كل من قطر والسعودية ومصر والإمارات والاردن بيانات رسمية عبّرت فيها عن تضامنها مع الكويت، مؤكدة دعمها لما وصفته بسيادتها وحقوقها البحرية، ومشددة على ضرورة احترام القرارات الدولية ذات الصلة بترسيم الحدود.
وهذه المواقف المتزامنة قرئت في بغداد اصطفافاً سياسياً واضحاً منح الملف بعداً عربياً أوسع، وأشعل نقاشاً داخلياً حول أسباب غياب موقف عربي متوازن يستمع إلى الرواية العراقية أيضاً، في وقت ترى فيه أوساط سياسية أن تضامن العواصم الأربع يعكس حساسية الملف داخل مجلس التعاون الخليجي وامتداداته الإقليمية، ما يرفع منسوب التعقيد في أي مسار تفاوضي مقبل.





