العراقتحليلاتخاص

مع اشتداد “الأزمة المالية”.. مزدوجو الرواتب في العراق تحت التدقيق مجدداً

بغداد/ عراق أوبزيرفر

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية العراقية، عاد ملف “مزدوجي الرواتب” إلى واجهة النقاش الحكومي والنيابي، باعتباره أحد أكثر أبواب الهدر المالي في القطاع العام، في وقت تبحث فيه الدولة عن منافذ لترشيد الإنفاق وضمان استدامة الرواتب وسط ضغوط مالية متصاعدة.

والملف، الذي ظل لسنوات محاطاً بالإنكار أو المعالجات الجزئية، بات اليوم مطروحاً باعتباره اختباراً جدياً لقدرة الحكومة على ضبط منظومة التوظيف، وإنهاء حالات الجمع بين أكثر من راتب من المال العام، سواء داخل مؤسسة واحدة أو عبر جهات حكومية متعددة، فضلاً عن الازدواج بين الرواتب والدعم الاجتماعي.

تحرك جديد
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التخطيط عن استكمال إجراءات بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة للموظفين، تضم أكثر من أربعة ملايين اسم، تشمل العاملين في مؤسسات الدولة كافة، بهدف توحيد المعلومات الوظيفية، وربطها إلكترونياً بالرقم الوظيفي، ومنع أي تكرار أو تداخل في مصادر الدخل

وبحسب بيانات رسمية، فإن القاعدة الجديدة تتضمن معلومات تفصيلية عن المؤهل العلمي، سنوات الخدمة، الموقع الوظيفي، والجهة التي يتقاضى منها الموظف راتبه، في محاولة لكشف حالات الازدواج الوظيفي، سواء عبر تقاضي أكثر من راتب حكومي، أو الجمع بين وظيفة رسمية وإعانات أو مخصصات غير مستحقة

ويربط اقتصاديون هذا التحرك الحكومي بتفاقم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، في ظل اعتماد الموازنة بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية، وارتفاع فاتورة الرواتب التي تستنزف الجزء الأكبر من الإنفاق التشغيلي.

ويشير مختصون إلى أن إنهاء ملف مزدوجي الرواتب يمثل خطوة مالية ذات أثر مباشر، إذ يمكن أن يوفّر مليارات الدنانير سنوياً، ويعيد توجيه الموارد نحو الإنفاق الاستثماري أو دعم الشرائح الأشد فقراً، بدلاً من استمرار تسرب الأموال عبر ثغرات وظيفية متراكمة.

تحذيرات سابقة
وكان وزير المالية السابق علي علاوي قد حذّر في تصريح صحفي سابق من اتساع الظاهرة، مؤكداً أن “أكثر من 10% من الموظفين فضائيون ومزدوجو الرواتب”، مشيراً إلى أن عددهم يتراوح بين 200 إلى 300 ألف موظف داخل مؤسسات الدولة.

بدوره، يرى الباحث والأكاديمي قاسم الكناني أن “ازدواج الرواتب لم يكن ظاهرة عابرة، بل نتيجة مباشرة لسنوات من عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وغياب الحوكمة الإدارية”، موضحاً أن “ضعف العدالة في المحاسبة أسهم في استمرار هذه الحالات دون رادع حقيقي”.

وأضاف الكناني لـ”عراق أوبزيرفر أن “إنهاء هذا الملف يتطلب إرادة سياسية واضحة، تبدأ من تطبيق القانون على الفئات العليا قبل الموظفين الصغار، لضمان استعادة الثقة المجتمعية”، مؤكداً أن “أي إصلاح مالي لا يمكن أن ينجح إذا استُثنيت الفئات المتنفذة”

وتابع أن “الأزمة الحالية تفرض ترتيب الأولويات، عبر استرجاع الأموال المصروفة بغير وجه حق، بدلاً من اللجوء إلى تقليص رواتب محدودة أو تحميل الفئات الهشة كلفة الإصلاح”

الترهل الوظيفي
ويأتي ملف مزدوجي الرواتب ضمن سياق أوسع من الترهل الوظيفي الذي تعانيه مؤسسات الدولة، حيث تشير تقديرات رسمية إلى أن عدد الموظفين تجاوز أربعة ملايين، إلى جانب أكثر من ثلاثة ملايين متقاعد، ما يشكل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة مقارنة بعدد السكان القادرين على العمل.

وتُجمع قراءات اقتصادية على أن تراكمات ما بعد 2003، من تعدد القوانين، وتداخل الصلاحيات، وغياب الرقابة، أسهمت في خلق بيئة سمحت بازدواج الرواتب وانتشار “الفضائيين”، خصوصاً في ظل ضعف الأنظمة الإلكترونية، والاعتماد على السجلات الورقية

ويرى خبراء أن نجاح الحكومة في إنهاء هذا الملف مرهون باستكمال الربط الإلكتروني، وتحديث القوانين، وتفعيل المساءلة، مؤكدين أن معالجة مزدوجي الرواتب تمثل مدخلاً أساسياً لإصلاح أوسع في إدارة الموارد البشرية، وليس مجرد إجراء مالي مؤقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });