
بغداد / عراق اوبزيرفر
لم يكن اليوم الوطني العراقي لهذا العام مجرد مناسبة بروتوكولية أو استعراض احتفالي تقليدي، بل تحول إلى حدث استثنائي حمل في تفاصيله أبعادًا سياسية ورمزية عميقة، أرادت الحكومة من خلاله إيصال رسائل واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن العراق يستعيد عافيته ويستعيد معه حضوره كدولة فاعلة قادرة على حماية سيادتها ورعاية وحدة شعبها.
المستشار في رئاسة الوزراء عائد الهلالي أوضح في تصريح خاص لـ”عراق اوبزيرفر”، أن هذا العام تميز بزخم مختلف عن الأعوام السابقة، إذ لم تعد الفعاليات مجرد مراسم شكلية، بل جاءت لتعكس صورة وطنية جامعة.
وأكد الهلالي أن الحكومة برئاسة محمد شياع السوداني سعت من خلال هذه المناسبة إلى توجيه رسالة مزدوجة، الأولى للداخل عبر التأكيد على استقرار البلاد وثقة المواطن بالمؤسسات، والثانية للخارج للتأكيد أن العراق لم يعد ساحة للفوضى، بل دولة تسعى للتوازن وبناء علاقات مستقرة مع الإقليم والعالم.
وشدد على أن “حكومة محمد شياع السوداني قدمت نموذجاً مختلفاً في إدارتها للاحتفال عبر إشراك مختلف مؤسسات الدولة ومكونات الشعب، ليكون يوماً جامعاً لكل العراقيين، وخطوة باتجاه تكريس الثقة وتعزيز صورة الدولة الراعية لوحدة المجتمع”.
الاستعراض العسكري والجوي: هيبة الدولة وسيادتها
انطلقت فعاليات اليوم الوطني منذ ساعات الصباح بعرض جوي مهيب للطائرات العسكرية التي جابت سماء بغداد في مشهد وصفه المراقبون بأنه يعكس جاهزية القوات المسلحة وقدرتها الدفاعية.
ورافق الاستعراض ضربات مدفعية رمزية دوّت في العاصمة، لتشكل تأكيدًا على هيبة الدولة واستعدادها الدائم لحماية سيادة العراق وأرضه. هذه العروض العسكرية لم تكن مجرد فقرة بروتوكولية، بل رسالة سياسية واضحة بأن العراق يمتلك جيشًا عصريًا قادراً على الدفاع عن أمنه الوطني، وأن زمن الانكسارات والتبعية قد ولّى.
الوجه الثقافي والمدني للعراق
إلى جانب البعد العسكري، سعت الحكومة إلى إبراز الوجه الآخر للعراق كحاضنة للثقافة والفن والحياة المدنية. حيث تشهد بغداد فعاليات موسيقية وفنية تعمس تنوع المجتمع العراقي وإصراره على البقاء مركز إشعاع حضاري. ففي ساعات مساء اليوم، تحتضن ساحة الاحتفالات الكبرى حفلاً جماهيريًا يحييه الفنانون حاتم العراقي وأصيل الهميم وعلي جاسم، في حضور شعبي واسع يتجاوز الطابع الرسمي، ليجعل المناسبة مهرجانًا وطنياً جامعًا.
دور أمانة بغداد والفعاليات الشعبية
أمانة بغداد كان لها حضور لافت في هذا اليوم، حيث أعلنت إطلاق حفل كبير مساء الجمعة، يتضمن فعاليات متنوعة أبرزها إطلاق الألعاب النارية في سماء العاصمة من مختلف الدوائر البلدية، إلى جانب تشغيل الأغاني الوطنية وتوزيع الأعلام والحلوى على المواطنين وأفراد الأجهزة الأمنية المنتشرين في الشوارع والسيطرات. هذه الخطوات جاءت لتعزيز الشعور بالمشاركة الشعبية في المناسبة، وتحويلها إلى عيد حقيقي يتقاسمه المواطنون في الميادين والساحات، بعيدًا عن الطابع الرسمي وحده.
السوداني يوجّه بإعلان مظاهر الاحتفال
رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كان حريصًا على أن تكون مظاهر الاحتفال شاملة لجميع الوزارات والمحافظات، ولم تقتصر على العاصمة بغداد. فقد وجّه في وقت سابق بإعلان المظاهر الوطنية في المؤسسات الحكومية كافة، مع رفع العلم العراقي في الساحات والأماكن العامة وتنظيم فعاليات ثقافية واجتماعية داخل البلاد وخارجها عبر البعثات الدبلوماسية.
المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء أوضح أن هذه التوجيهات جاءت لترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز قيمة الانتماء للوطن، خصوصًا أن السنوات السابقة لم تشهد مثل هذا الزخم في إحياء المناسبة بسبب الأزمات السياسية والأمنية التي عصفت بالبلاد.
أبعاد داخلية: استقرار وثقة
الاحتفال هذا العام حمل رسالة قوية للداخل العراقي. فمن خلال مشاركة مؤسسات الدولة كافة في إحياء المناسبة، سعت الحكومة إلى تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته، وإلى تكريس الشعور بأن الدولة أصبحت الراعي الحقيقي لوحدة المجتمع. الاستعراضات العسكرية والفنية والفعاليات الشعبية مجتمعة عكست صورة العراق المستقر، الذي يسير بخطى واثقة نحو استعادة مكانته الطبيعية، بعيدًا عن الانقسامات التي طبعت السنوات الماضية.
أبعاد خارجية: عودة العراق إلى دوره الإقليمي والدولي
أما على الصعيد الخارجي، فقد جاءت هذه الاحتفالات كرسالة سياسية واضحة مفادها أن العراق لم يعد ساحة للصراعات والنزاعات بالوكالة، بل دولة تسعى لبناء علاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي والدولي. فتنظيم احتفال بهذا الحجم، وبمشاركة مؤسسات الدولة ومكوناتها كافة، يعكس صورة العراق الجديد القادر على أن يكون طرفًا فاعلاً في معادلات المنطقة والعالم، لا مجرد ساحة لتجاذبات الآخرين.
توحيد الهوية الوطنية
من أبرز ما ميز اليوم الوطني العراقي هذا العام هو التركيز على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة. فقد عملت الحكومة على جعل المناسبة مساحة لقاء بين مختلف المكونات والطوائف والقوميات، تحت مظلة الدولة والدستور. هذا التوجه مثل خطوة مهمة نحو ترسيخ الوحدة الوطنية، وإبعاد العراقيين عن الانقسامات السياسية أو الطائفية، ليكونوا مجتمعًا موحدًا حول رمزية العلم والدولة.
العراق يعود بثقة
اليوم الوطني العراقي في عام 2025 لم يكن يومًا عاديًا. من الطائرات الحربية التي حلقت في سماء بغداد والمدفعية التي دوّت مع ساعات الصباح، إلى الأغاني الوطنية والألعاب النارية والاحتفالات الشعبية التي غمرت العاصمة، بدا العراق وكأنه يعلن عودته بثقة إلى موقعه الطبيعي. عودة لا تقتصر على الداخل، بل تتجاوز إلى الخارج لتقول للعالم: هذا بلد يستعيد دوره ومكانته، ويحتفل بوحدته وهويته الوطنية من جديد.




